فى كتابه «1973.. الطريق إلى الحرب»، مازال الطيار الإسرائيلى المتقاعد، الدكتور يجال كبينس منشغلاً بدراسة شخصية الرئيس الراحل أنور السادات خلال فترة ما قبل حرب أكتوبر
فى كتابه «1973.. الطريق إلى الحرب»، مازال الطيار الإسرائيلى المتقاعد، الدكتور يجال كبينس منشغلاً بدراسة شخصية الرئيس الراحل أنور السادات خلال فترة ما قبل حرب أكتوبر 1973؛ وأورد فى ذلك شهادات مما جرى على الجانبين المصرى والإسرائيلى حينئذ، ومنها ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلى موشى ديَّان فى تقديره لاحتمالية اندلاع الحرب، ورد إسرائيل عليها.
«لا نميل أبداً للدخول فى حرب استنزاف، وإذا استأنفوا (المصريون) الحرب، سنضربهم بعنف». هذا ما قاله ديَّان فى 1 ديسمبر 1972 خلال أحد لقاءات «مطبخ جولدا»، الذى جرى خلاله التباحث حول احتمالات إضرام السادات النيران العسكرية، واعتبارها أداة تقود إلى المفاوضات. وتربَّص رئيس الأركان، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع بكل تعبير يتحدث عن هجمات مصرية، بغض النظر عن الغرض منها.
«فى فبراير 1972، تأهب الجيش الإسرائيلى لإحدى المناورات الكبرى والمعقدة التى عرفها فى تاريخه، وهدفت المناورة، التى أطلق عليها «مناورة عوز» إلى التدريب على عبور القناة. فى سيناء وبالقرب من أبوعجيلة، عند سد الروافعة فى وادى العريش، جرى حشد كم هائل من الموارد، والجهود الهندسية، أمام هيكل محاكاة مصغَّر لقناة السويس، واستعدت فرقة من الجيش الإسرائيلى للعبور. وشارك فى التدريب أيضًا قوات مظليين، ومروحيات، وقوات دعم جوي، وقوات إمداد جوي، تتطلبها عملية معقدة مثل اقتحام القناة، وعبورها، واحتلال رأس جسر على الجانب الآخر.
«لقد شاركت منظومات عسكرية هائلة من الجيش الإسرائيلى فى الإعداد للمناورة، وشاهدت رئيسة الوزراء جولدا مائير المناورة من منصة مراقبة خاصة، جرى إقامتها على ضفة موقع العبور؛ كما استمعت إلى إيجاز من رئيس الأركان وإيضاحات من قادة المناورة، الجنرالات شارون، وإيدن (بيرن)، وجونين (جروديش)، ووقفت على ما ستفعله إسرائيل حال استئناف السادات لإطلاق النار. وفى أعقاب المناورة، تطرق وزير الدفاع خلال منتدى مغلق إلى قضية الرد الإسرائيلي، وقال إنه لا يعتبر احتلال القاهرة والإسكندرية خلال الحرب القادمة هدفًا واقعياً، لكن عبور القناة حينئذ سيكون موضوعياً وواقعياً.
«كرَّر الجيش الإسرائيلى المناورة ذاتها عام 1972، تحسباً من شن مصر حرب مباغتة. وقبل عام تقريباً من الحرب، أجرى الجيش الإسرائيلى مناورة «الظبى الفولاذي». لقد كانت أبجديات الشروع فيها مضاهية لوصول قوات الاحتياط إلى القناة بعد يومين فقط من بداية الهجوم، وبعد احتلال مصر لنقاط إسرائيلية حصينة، وإقامة رأس جسر فى الجانب الشرقى للقناة. لقد عبر شارون القناة إلى الجانب الآخر على رأس قواته فى ثالث ورابع أيام المناورة، ودارت رحى الحرب على الضفة الغربية، ورغم أن ذلك هو ما جرى التدريب عليه فى المناورة، إلا أن رغبة شارون فى تكرار عمليات المناورة خلال الحرب أيضاً، لم تتناغم والظروف على الأرض، وأدى إصراره على القيام بذلك إلى تلقى القيادة العليا ضربات فى عمودها الفقرى خلال الحرب، وألحق ضرراً فى قيادتها.
جميع الأهداف
«وفى يوليو 1973، قبل ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب، وبعد أن أنهى مهام منصبه قائداً للجبهة الجنوبية، وجرى تسريحه من الجيش الإسرائيلي، تطرق أرئيل شارون إلى عمليات قتال إسرائيل المحتملة. وطالع قراء صحيفة «معاريف» حديثه للصحفى دوف جولدشتاين: «لا أعتقد فى وجود هدف عسكرى أو مدنى فى الهلال الممتد من بغداد إلى الخرطوم، فضلاً عن كل الأراضى الليبية، لا يستطيع الجيش الإسرائيلى احتلاله». وفى رد على سؤال محاوره، حول ما الذى يمكنه قوله للسادات عند الحديث عن الثمن الذى يدفعه إذا بادر بالحرب، قال شارون: «ثمن فظيع، فظيع! ثمن لا تستطيع مصر تسديده. فى حرب الأيام الستة، كانت مصر تعرف الوجهة التى تنسحب إليها، وهى القناة. وكذلك الحال فى عملية سيناء (حرب 1956)، أما فى الحرب القادمة، فستصبح القاهرة هى الخط الذى ينسحب المصريون إليه. ليس لديهم خط آخر. وسوف يكون ذلك بمثابة خراب فظيع لمصر. خراب مؤكد، لكن هذا لا يعنيني، فلسنا فى حاجة إلى ذلك، إلا أننا لن نسمح أبدًا بتكرار حرب الاستنزاف، رغم أننا انتصرنا فيها. سيتلقى المصريون ضربة قاسمة».
«رغم استعدادات الحرب، إلا أنه فى فبراير 1973، وعشية محادثات كسينجر وإسماعيل، كان التقدير السائد فى إسرائيل هو أن إطلاق النار لن يتجدد خلال الفترة القريبة. واستند هذا التقدير إلى أن مصر ليست جاهزة للهجوم، وعلى أن السادات لديه من المنطق ما يحول دون ذلك فى الوقت الراهن. «فى إطار الحدود التى نجلس عليها اليوم، وعلى المدى القصير، لا توجد مخاطر أمنية؛ أو بعبارة أخرى، إذا هاجمونا، سينهزمون»، هذا ما حلَّل به موشى ديَّان الوضع حينئذ خلال جلسة نقاش، شارك فيها سبعة قادة أركان سابقين، اتفقوا جميعًا مع رأيه. وفيما يتعلق بالسلام، أضاف ديَّان: «يمكننا إحراز ذلك، والآن أيضاً، إلا أنه سيكون فى مقابل انسحاب مؤكد حتى الخط الأخضر، بما فى ذلك فقدان السيطرة على غزة».
جبل عتاقة
«إن ثقة إسرائيل الذاتية فى تلقى إنذار كاف حال شروع المصريين فى الحرب، أصبحت أقوى من ذى قبل فى الليلة ما بين 16 إلى 17 فبراير 1973؛ ففى سريَّة بالغة، وبعيداً عن واشنطن، وعند جبل عتاقة غرب مدينة السويس، وبعد ما يقرب من عام على الاستعدادات والتدريبات، التى جرت تحت اسم كودى «قنصلية»، عبرت فى ليلة ما بين يومى جمعة وسبت، أربع مروحيات من طراز يسعور خليج السويس، وقامت بإبرار قوات متحركة، تابعة لإحدى الوحدات الخاصة؛ بينما انطلقت مروحيات يسعور أخرى مع نهاية الليل، وقامت بإخلاء القوات التى أنهت مهمتها. وقالت كبار دوائر اتخاذ القرار لطواقم الوحدة والمروحيات، الذين اجتمعوا بعد أسبوعين للاحتفال بنجاح العملية، إنهم منحوا دولة إسرائيل عدة سنوات من الهدوء.
«الشعور بالثقة لدى القيادة العسكرية والسياسية فى إسرائيل، نبع من تفوقها العسكري، ودعم الولايات المتحدة لها، بالإضافة إلى «الوسائل الخاصة»، التى كان مقرراً أن تمدها بإنذار آخر حال تنفيذ السادات تهديداته، إلا أن جميعها انهار فى السادس من أكتوبر 1973.
«لقد كُتب الكثير، وتعددت الأقاويل حول «الوسائل الخاصة»، ودار النقاش فيها حول التساؤل: هل جرى تشغيلها عشية اندلاع الحرب، أم لم يتم تشغيلها بشكل عام. شهادة رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) إيلى زعيرا حول هذه الإشكالية لا لبس فيها: جرى تشغيل الوسائل، والمعلومات التى أمدتنا بها لم تغاير الصورة التى كانت معروفة لدى الاستخبارات. وهذا هو ما اتضح أيضاً من شهادات أخرى.
محاكاة الحرب
«إن الاختلاف حول ذلك ينبغى أن يواجه نقطة من العيار الثقيل: كجزء من الخطة المصرية، الرامية إلى التعتيم على الاستعداد للحرب خلال الأيام التى سبقتها، أجرى جيشها فى 1 أكتوبر تدريباً كبيراً يحاكى مخطط الحرب، أطلق عليه «تحرير 41» (تحرير سيناء)، وكان مقرراً أن يستمر ستة أيام. إن حقيقة إجراء تدريب الحرب كانت معلنة، وكذلك الاتصالات بين القيادة والوحدات المشاركة. لقد تعقبت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) ما يجري، ووزعت تقريراً دورياً بذلك. لقد كانت القوات المصرية على علم بأن التدريب سينتهى فى 7 أكتوبر، بينما يشير الواقع العملي، إلى أنه مع نهايته، تلقت القوات بشكل مباشر، وخارج قدرة كشف الاستخبارات الإسرائيلية، توجيهات بالانتقال إلى خطة الحرب. ويؤكد ذلك على سبيل المثال، ما قاله قائد سرب مروحيات مصري، إذ أشار إلى أنه خلال وجوده فى كابينة القيادة، تلقى أمراً بتغيير المهمة، وإنزال القوات التى تستقل مروحيات السرب فى ساحة العدو، وليس فى ساحة التدريب. فى ظل سيناريو مفاجئ كذلك، ليس هناك داعٍ لسؤال: هل جرى تشغيل «الوسائل الخاصة»، أم لم يجر تشغيلها؛ فنظراً للتدريب القائم، لا تستطيع الوسائل توجيه الإنذار، الذى تتوقعه دوائر اتخاذ القرار فى إسرائيل.
«إلا أنه فى فبراير 1973، وعشية وصول إسماعيل إلى واشنطن، لم يتوقع شخص فى إسرائيل حدوث كذلك؛ فخلال الأيام المعدودة بين العملية التى جرت فى جبل عتاقة، ولقاء كسينجر مع إسماعيل فى الولايات المتحدة، لم يكتف جانب من مروحيات يسعور والطواقم التى تقودها بالإقلاع إلى غرب القناة فقط، وإنما هبطت فى الليلة ذاتها بمنطقة طرابلس لبنان، وأخلت إحدى قوات الجيش الإسرائيلي، التى أنهت هناك مهمة جزئية أخرى، كانت فى هذه المرة معروفة للأكثرية. لقد كان الشعور بالثقة لدى القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية فى ذروته، وانعكس ذلك أيضًا على دوائر اتخاذ القرار فى الإدارة الأمريكية. وكان لتلك الثقة المفرطة وزن حاسم فى الطريقة التى تعاملت بها تل أبيب وواشنطن مع زيارة إسماعيل، والمحادثات السريَّة التى جرت معه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعد اللحظة الراهنة في السودان هي الأخطر منذ اندلاع الصراع المسلح، حيث تحولت الأراضي السودانية من ساحة نزاع داخلى إلى...
عبدالرحيم ريحان: الرئيس «السيسى» يُرسخ لدولة الأمن والأمان.. والإحصائيات لا تكذب مجدى شاكر: بلدنا ضمن المراكز السبعة الأولى فى السياحة...
مصر تدعم الأشقاء وتتمسك بإقامة الدولة الفلسطينية وحل سياسى لأزمة السودان تداعيات وخيمة ستطول الجميع جراء التصعيد فى منطقة الخليج...
أسامة الهتيمى: إسرائيل تواصل جريمة الإبادة الجماعية في غزة.. ونتنياهو يشع جبهة لبنان للفرار من المحاكمة ماهر صافى: الاحتلال يواصل...