قراءات - الأيرلندية «آنا بيرنز» تفوز بالمان بوكر

للمرة الأولى فى تاريخها تذهب جائزة المان بوكر لكاتب/كاتبة من أيرلندا الشمالية. فقد فازت بها هذا العام (2018) الإيرلندية "آنا بيرنز" عن روايتها "بائع الحليب"، وتدور

للمرة الأولى فى تاريخها تذهب جائزة المان بوكر لكاتب/كاتبة من أيرلندا الشمالية. فقد فازت بها هذا العام (2018) الإيرلندية "آنا بيرنز" عن روايتها "بائع الحليب"، وتدور حول فتاة يتحرش بها رجل من ذوى النفوذ، على خلفية من الاضطرابات السياسية التى شهدتها أيرلندا الشمالية فى أواخر القرن العشرين. وهى الرواية الثالثة لكاتبتها، وكانت روايتها السابقة "لا عظام هناك" قد تضمنتها القائمة القصيرة لجائزة الأورنج عام 2002، وتدور أيضا على خلفية الصراعات السياسية فى بلدها.

"بائع الحليب" رواية تروى أحداثها ساردة مجهولة الاسم فى الثامنة عشرة من عمرها، تُعرف بالأخت الوسطى، يتحرش بها رجل فى الأربعين، ينتمى إلى أحد التنظيمات شبه العسكرية، بائع الحليب. وفيها تنهل الكاتبة، المولودة فى "بيلفاست" بأيرلندا الشمالية والتى تعيش الآن فى مقاطعة "إيست سسيكس" بجنوب إنجلترا، من خبراتها حيث نشأت فيما تطلق عليه "مكانًا يتفشى فيه العنف والريبة والبارانويا". وقد أشاد رئيس لجنة تحكيم الجائزة، الفيلسوف كوام أنتونى أبيا، بأنها رواية بالغة الأصالة. وقال فى حيثيات إعلان الفوز إنها رواية متفردة "فصوت آنا بيرنز بالغ التميز، يتحدى النمط التقليدى من حيث الشكل والمنطق، فى قالب نثرى مدهش يبعث على الاستغراق. يدور السرد حول الوحشية والانتهاك الجنسى والمقاومة، ويأتى مجدولًا بسخرية ونقد لاذع". وأضاف أن الرواية تتميز بقدر من التحدي، يشبه ذلك الذى يشعر به من يصعد "سنودون" (أعلى قمة جبلية فى ويلز). فعندما يبلغ المرء تلك القمة الأعلى فى ويلز، يستمتع بالمشهد الآسر هناك. تتميز الرواية بتدفق اللغة واستخدام لغة غير مألوفة فى بعض الأحيان، ومن ثم فهى ليست للقراءة الخفيفة، ولكنى أعتقد أنها ستبقى". وأضاف أن "الشخصية المحورية فى الرواية، فتاة تعيش فى مجتمع منقسم، يتحرش بها رجل يستغل الانقسامات الاجتماعية التى أكسبته سلطة ارتكن إليها فى متابعة الفتاة. يلعب التعصب الطائفى والانقسامات فى أيرلندا دورًا كبيرًا فى الرواية، ولكن أيرلندا الشمالية ليست المكان الوحيد فى العالم الذى يعانى من الانقسام المجتمعي... فقد قال تى إس إليوت إنه لا يمكن أن يصل الكاتب إلى العالمية دون أن تكون له خصوصيته، وهذه رواية لها خصوصيتها، ولكنها أيضًا رواية عالمية بجدارة". وقال أيضًا إن الرواية تضفى بظلالها على هموم العصر، فهى تلفت الانتباه إلى حركة "وأنا أيضًا" وتصورها تصويرًا عميقًا على المستويين الفكرى والأخلاقي". أما الساردة، وهى فتاة تقرأ بينما تسير فى الطرقات، فقال عنها إن لها صوتا استثنائيا.. يدعمه حسها المرهف وميلها نحو الدعابة والسخرية، وسعة الثقافة. فهى شخص مولع بالأدب والقراءة فى مجتمع لا يهتم بالثقافة". وتتفق الناقدة كلير كيلوري، بجريدة الجارديان، مع أبيا فى عالمية الرواية، رغم انطلاقها من أحداث مستغرقة فى المحلية، فترى أن بيرنز تستهدف أنواعًا من القوى أكثر غدرًا ومكرًا من عنف الدولة والمنظمات العسكرية غير الرسمية، ومن ذلك القمع القبلي، والقهر باسم الأعراف والتقاليد، وسيطرة العنف والقهر فى المجتمعات الذكورية، مما يتسبب فى حياة قوامها ريبة وخوف دائم. ومن ثم ترفع بيرنز المرآة لتعكس شتى أنماط العنف واستغلال السلطة والنفوذ.

وفى مقال لها بجريدة الجارديان ترى الناقدة شارلوت هايجين أن "بائع الحليب" رواية لابد أن يقرأها كل سياسى بريطانى فى عصرنا الحديث. وتختلف مع أبيا، رئيس لجنة تحكيم الجائزة، فى أن قراءة الرواية تشبه التحدى فى صعود جبل سنودون. وترى أنه مع أن الرواية ليست نزهة فى حديقة، إلا أنها آسرة تستحوذ على قارئها وتجعله مأخوذًا مشدوها. ومع أهميتها وما تحمله من غضب إلا أنها تزخر بحس الدعابة والمرح المشوب بسخرية لاذعة، مما يضيء جوانبها المعتمة. وتختلف هايجين أيضًا مع وصف الرواية بالتجريبية، الذى أطلقه بعض النقاد، وترى أن خروجها عن التقاليد الروائية المتعارفة فى مواضع قليلة لا تفى بوصفها بالرواية التجريبية. تتسم الرواية، فى رأيها، بفقرات سردية طويلة وصوت سارد مميز وأصيل، وشخوصها بلا أسماء، ولكنهم يُعرفون بأوصافهم. (فبائع الحليب كنية للرجل الذى تستحوذ الساردة على تفكيره فهو ليس بائعًا للحليب، ولكنه من ذوى السلطة والنفوذ فى أحد التنظيمات العسكرية غير الرسمية). تكتسب الرواية مسحة أسطورية بتسمية الأشخاص حسب هيئاتهم وأوصافهم، وليس بذواتهم. وفى ذلك تقول المؤلفة نفسها إن الرواية "لم تستقم مع الأسماء، فكانت تفقد سر قوتها ويختل السياق، وتكون النتيجة عملًا مختلفًا. فى الأيام الأولى جربت استخدام الأسماء بضع مرات، ولكن الكِتاب لم يحتملها، وكاد السرد أن يصبح ثقيلًا وبلا حياة، وتعذر السير قدمًا، حتى نزعت الأسماء مرة أخرى. كانت الرواية نفسها تلفظ الأسماء وتلقى بها بعيدًا".

وترى هايجن أيضًا أن الرواية نجحت بجدارة فى استدعاء ما أسمته "الجو السياسى النفسي" لسياقها، بأسلوب يخلو تمامًا من الكلشيهات والمصطلحات المتداولة بلدة غير مسماة فى أيرلندا الشمالية فى السبعينيات تتقاسمها التعصبات الطائفية، وتحكمها مركبات السلطة الفاسدة والمنحرفة، وهى مع ذلك لها تقاليدها وقوانينها الصارمة. إنه مجتمع يرى فى قراءة رواية من القرن التاسع عشر عملًا معاديًا أكثر من حمل السلاح، مجتمع يستبعد الأشخاص بسبب أسمائهم الأولى  أو اختيارهم للكلمات، فينبذهم ويرى فيهم أشخاصًا لا ينتمون للمكان. اكتسب بائع الحليب سطوته وسلطته من فساد ذلك المجتمع وتمزقه، فتمادى فى تحرشه بالراوية. فى المشهد الافتتاحى للرواية تظهر الساردة تقرأ الرواية التاريخية "إيفانو" (1819) للكاتب الإنجليزى سير والتر سكوت من القرن التاسع عشر، تستغرقها العوالم الخيالية للتاريخ الإنجليزى فى العصور الوسطى، فتحملها بعيدًا ملايين الأميال عما يحيط بها من وقائع. ترى هايجن أن ذلك المشهد يومئ إلى أن أحداث الاضطرابات السياسية فى أيرلندا الشمالية قد تبدو كالتاريخ الخيالى البعيد فى نظر البعض، وكأنها أحداث معزولة فوق جزيرة بعيدة فى زمن آخر، ولكنها قد تتوارى عن الأنظار على حين تتجول أطيافها على أعتاب الأبواب. وتؤكد هايجن أن غربة المجتمع عن نفسه تكون ذريعة لكل أشكال العنف. وترى أن بيرنز تستمد مادتها من الواقع، فكثير من نساء أيرلندا الشمالية يشهدن على صحة ذلك، وأن ذلك الاستدعاء الحى لجانب من التاريخ الحديث لأيرلندا الشمالية يجعل رواية "بائع الحليب" عملًا لابد أن يقرأه رجال السياسة فى بريطانيا، خاصة أولئك ذوى الذاكرة الضعيفة.

ربما يأتى فوز آنا بيرنز بالمان بوكر هذا العام ليحقق انتصارًا لشعب أيرلندا الشمالية ورصدًا لمعاناته التاريخية ووضع آدابه على مائدة الآداب العالمية.


 	د. عزة مازن

د. عزة مازن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية

بروح رياضية -دموع على القميص الأصفر

ربما لم يخطر ببال أى مشجع لكرة القدم فى مصر أن يأتى اليوم الذى يصل فيه النادى الإسماعيلى العريق للدرجة...

نحو الحرية - رسائل الرئيس

من أبرز ما تميز به احتفال مصر بعيد الشرطة المصرية ال ٧٤ الذى يوافق ٢٥ يناير من كل عام الذى...

بروح رياضية - شاهدت فى المغرب

عبر عدة أسابيع.. سجلت العديد من الملاحظات خلال  تغطية بطولة  الأمم  الأفريقية بالمغرب الشقيق.. وحاولت الاقتراب أكثر من أسباب توهج...