ترحال - الكيت كات..النيل والبشر والتاريخ «١»

إنها التاسعه مساءً.. وأنا أغادر بيتي إلي شاطئ النيل، بيتي قريب من النهر، دقيقة واحدة اعبر الشارع، وها اأنا علي كورنيش نيل العجوزة باتجاه حي الكيت كات، القمر يتوسط

إنها التاسعه مساءً.. وأنا أغادر بيتي إلي شاطئ النيل، بيتي قريب من النهر، دقيقة واحدة اعبر الشارع، وها اأنا علي كورنيش نيل العجوزة باتجاه حي الكيت كات، القمر يتوسط نصف السماء علي يميني.. يبدد ظلمتها، ويمد نوره فوق جسد القاهرة، يتوهج النيل بضوء فضي يمتد تدريجيا في مياه النهر كله، النهر بات مضيئا أكثر من السماء كأنه بركه هائلة من الزئبق، والضوء الخافت يلهث من مصابيح الشوارع القديمة باهتا حزينا، هدير الحي النهاري الجهنمي لحركة البشر والبائعين والشجار وزعيق الأطفال بدأ في التلاشي، ولكن مازال النواح المعدني للسيارات والحافلات يلف الحي كله، موسيقي وأغاني تبدأ وتتلاشي مع حركة المراكب المغمورة بالبشر وأفراح أهالي المدينة وهي تخترق مياه النهر، مصرة علي افساد سكينه النهر، رائحة الأشجار التي تغطي مشهد النهر مختلطه بمخلفات البشر تفوح، وأنا أتابع سيري.. أمشي بمحاذاة النهر، ها هي الوجوه المألوفة تتمشي علي كورنيش نيل الكيت كات، هذا الحي الشعبي بالقاهرة الكبري، وهو من أهم مناطق إمبابة، بل إنه البوابة إليها، أتطلع إلي يساري حيث يقف شامخا جامع خالد بن الوليد شاهدا علي تاريخ هذا الحي، وهو تاريخ قد يصيب البعض بالدهشة، فلقد كانت هذه المنطقة في أيام الحملة الفرنسية منطقة ترفيهية بالدرجة الأولى لموقعها المتميز على النيل حتي إن منطقة الكيت كات سميت بهذا الاسم اشتقاقاً من اسم الراقصة الفرنسية "كيتي ألفونس فرانسوا" ومن كيتي كان اسم كيت، ولأنها مثل القطة وكلمة القطة بالإنجليزية هي ـ كات - فسُميّت المنطقة بالكيت كات.

  أقيم الملهي الليلي لصاحبته كيتي قبيل قدوم الحملة الفرنسية بسنوات قليلة كمكان للسهر والعربدة، ولكن الطريف حقا أنه بعد معركة إمبابة وغيرها وطرد الفرنسيين من المنطقة في 22 يوليو 1798، هدم أهالى المنطقة ذلك الملهى ليقام بدلا منه هذا المسجد الضخم "خالد ابن الوليد" للعبادة والعلم والذي يقبع أمامي في الجهة المقابله للنيل، أما بقايا سينما الكيت كات فها هي ما زالت حتى اليوم ألمحها مجرد أشلاء لمبني مهجور وغير مستغل، يستعمله باعة الفاكهة كمخزن لبضائعهم.

 مازلت أمشي بمحاذاة النهر، كان عليّ أن أذكر نفسي باستمرار أنني هنا في حي مصري شعبي مناضل فطالما كانت مصر ومازالت مطمعا للغرب، تجاوزت نظراتي الضفة الأخري للنهر فمن هنا، حيث كان إبراهيم بك  مع جيشه وباقي أهل العاصمة في ساحل بولاق علي الشاطئ الشرقي للنيل، يراقبون ما يحدث في الغرب هنا في الكيت كات قبل أكثر من ثلاثة قرون، بينما جيش المماليك بقيادة مراد بك يمتد من إمبابة إلي الأهرام غرب النيل، حيث دارت دارت معركة إمبابة بين المماليك وجيش نابليون والتي وصفها الجبرتي قائلاً : "ثم إن الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك انقسم علي كيفية معلومة عندهم في الحرب وتقارب من المتاريس بحيث صار محيطاً بالعسكر من خلفه وأمامه ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتالية والمدافع واشتد هبوب الريح، وانعقد الغبار وأظلمت الدنيا من دخان البارود وغبار الريح، وصمت الأسماع من توالي الضرب بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزلت والسماء عليها سقطت"..

 وهكذا..انتصر نابليون بونابرت علي المماليك لفرق القوة العسكرية بين الطرفين، وتُركت مصر تعاني وحدها مرارة الحملة الفرنسية، وقاومت منطقة الكيت كات وهي جغرافياً تعتبر بوابة إمبابة نفسها ونقطة الوصل مع بولاق والتي اندلعت منها وتيرة أحداث ثورة القاهرة الثانية سنة 1800.

تمشي في حي الكيت كات، بزخمه التاريخي الخافت الذي يحتاج إلي من يبحث عنه، وربما ذلك ما فعله الروائي الرائع روايته إبراهيم أصلان في روايته "مالك حزين" التي تحولت إلي فيلم سينمائي يعد من روائع السينما المصرية، وهو فيلم يحمل نفس اسم الحي "الكيت كات" للمخرج المتميز داوود عبد السيد، بطولة المبدع محمود عبد العزيز، وهي رواية تحكي أحداثاً حقيقية عاشها المؤلف الذي ولد عام 1935، ونشأ في حي إمبابة وتحديدًا بمنطقة الكيت كات، التى عاش بها طوال حياته تقريباً، وكما يقول أصلان: إن دوره ليس مجرد كتابة "الكلام الحلو"، ولكنه تخصص في تشريح آلام المهمشين والتركيز علي المساحات التى يهجرها الجميع، وروي كيف استفاد من عمله كبوسطجي في إتقان فن كتابة البرقية..  ولذلك كان التحدى هو صياغة أعمق المعاني في أقل عدد من الكلمات..

 لذا جاءت روايتة "مالك الحزين" تدور أحداثها حول 115 شخصية رغم حجمها المتوسط، وبطل الرواية الحقيقي هو "يوسف النجار"، وليس الشيخ حسني، وتتكرر معظم الشخصيات في الرواية والفيلم بنفس التفاصيل الدقيقة..التي تدور أحداثها في إطار من الكوميديا السوداء، حول شخصية "الشيخ حسني" الذي جسد شخصيته الفنان القدير محمود عبد العزيز، الرجل الكفيف، الذي يعيش في منزل واحد مع والدته "أمينة رزق" وابنه الوحيد الشاب المحبط يوسف "شريف منير"، راصدًا الأوضاع اليومية ونبض هموم سكان حي "الكيت كات" الذي يعيش فيه، ورغم فقدانه لبصره وعمله وزوجته، إلا أنه يرفض الاعتراف بعجزه وينطلق في ممارسة حياته الطبيعية كأحد المبصرين دون التخلي عن ابتسامته وضحكته التي رسمها على وجوه كل من شاهد الفيلم.

 وفي كتابه "شيء من هذا القبيل"، يكشف أصلان في أحد فصوله عما حدث عقب المشهد الشهير الذي قام خلاله الشيخ حسني "محمود عبد العزيز" بفضح أهل الحارة في الميكروفون خلال عزاء عم مجاهد بائع الفول، يقول أصلان: "بعد عرض الفيلم، علمت أن الأحوال تدهورت بالشيخ حسني، واتخذ من بولاق أبو العلاء منطقة للوقوف، لانها بعيدة عمن يعرفونه في إمبابة وقريبة من تجار الكيف، وبعدما مرض جاء ابنه ليحمله إلي المستشفي لكنه طلب أن يخترق التاكسي شارع السوق الطويل في الكيت كات، وبينما هو نائم علي كنبة التاكسي الخلفية، وطلب أن ينبهوه عندما يصلون أول الشارع، وعندما فعلوا تحامل علي نفسه وأخرج نصفه العلوي من نافذة العربة لعل أحداً من أصدقائه القدامي يلمحه، ثم مات الشيخ حسني"..

أتذكر مهمشين أصلان.. وما زلت أجوب شوارع الكيت كات، يحزني الواقع المرير لشارع مراد التي تدور أحداث الفيلم به، وهو من اهم الشوارع ويمتد إلي شارع الحرية ومساكن عزيز، فالحزن العتيق يخيم على مبانيها وأبنية عمائرها السكنية ومحلات الصاغة والباعة والمقاهي وأسواقها المليئة بوجوه أصابها الكد والتعب، وبدأت أدس بوجهي داخل الأشياء: الأبنية، الوجوه، النفوس، لأري الكيت كات الحقيقية اليوم، قوافل التعب، الوجوه الذابلة مشاهد الفقر والبؤس الإنساني.. أشعر بالعتاب في عيون حائرة عن الرزق والطفرة، فيما الأصوات ساخرة حزينة، ولكنها لا تخلو من نبضة أمل مرجوة لوطنهم مصر..

وأترك البشر بآمالهم المعلقة علي رقبة واقع مرير بائس، وتقودني قدماي إلي  شارع السلام، وهو من أهم شوارع الكيت كات، وعمودي على شارع مراد، ويصل بين ميدان الكيت كات وحتى منطقة ترعة السواحل، يقابلني نادي ناصر الرياضي ومكتبة خالد بن الوليد، ومبنى وزارة الثقافة والبنك الأهلي وبنك مصر ..أتأمل في ذلك كله، وأحن إلي بقايا الزمن الجميل متجهة مرة أخري إلي النيل، حيث حي الكيت كات منقسماً علي نفسه، علي يمينك  تلوح من وقت لآخر، بقايا عوامات كانت يوماً جميلة فخمة، تشبه البيوت الصيفية لبشاوات الثلاثينيات والأربعينيات..كيف كان هذا العالم؟!  "ونطير ونطير مع نسمة شاردة لأيام زمان" .. بهذه الجملة التى تغني بها محمود عبد العزيز في أحد مشاهد فيلم "الكيت كات" قررت الانتقال في رحلة عبر الزمن إلي قاهرة العوامات بالكيت كاتت.. انتظروني.  

نبضة مسافرة

«إن العبرة ليست أبداً في معرفة الناس، إنما في الإحساس بهم»

« إبراهيم أصلان »


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية

بروح رياضية -دموع على القميص الأصفر

ربما لم يخطر ببال أى مشجع لكرة القدم فى مصر أن يأتى اليوم الذى يصل فيه النادى الإسماعيلى العريق للدرجة...

نحو الحرية - رسائل الرئيس

من أبرز ما تميز به احتفال مصر بعيد الشرطة المصرية ال ٧٤ الذى يوافق ٢٥ يناير من كل عام الذى...

بروح رياضية - شاهدت فى المغرب

عبر عدة أسابيع.. سجلت العديد من الملاحظات خلال  تغطية بطولة  الأمم  الأفريقية بالمغرب الشقيق.. وحاولت الاقتراب أكثر من أسباب توهج...