عاش الكاتب الأرجنتينى "خورخى لويس بورخِس" (1899 - 1986) فى عزلة اجتماعية، كرس حياته للثقافة والقراءة باللغتين الإنجليزية والإسبانية، فاستغلقت أعماله الإبداعية – من
عاش الكاتب الأرجنتينى "خورخى لويس بورخِس" (1899 - 1986) فى عزلة اجتماعية، كرس حياته للثقافة والقراءة باللغتين الإنجليزية والإسبانية، فاستغلقت أعماله الإبداعية – من شعر ونثر – على القارئ العام، ومن ثم وصفه الكثيرون بساكن البرج العاجي، أما النقاد فذكر كثير منهم أن قراءة بورخِس للمرة الأولى بمثابة اكتشاف حرف جديد فى الأبجدية، أو نغمة جديدة فى السلم الموسيقي.
فى مقدمة ترجمته العربية لمختارات من قصص بورِخس يقول الدكتور محمد أبو العطا، أستاذ الأدب الإسبانى والترجمة، إن "المؤثرات المنزلية عديدة... وكانت أساسًا لأعمال الكاتب، بعضها متصل بصباه وما فرض عليه من عزلة رَسخت لكثير من الثوابت فى أدبه: الكتب، الأقنعة، المرايا، النمور، الحلم". ويرى أن أعمال خورخى لويس بورخِس القصصية جاءت "متأخرة، وتجريبية أولًا، رغمًا عن أنها الأهم.... بمرور الأعوام نمت ثقافته وتشعبت وزادت بصيرة حتى إنها، إذا لاحت فى بادئ الأمر مثارًا للإعجاب، باتت تثير الحيرة. ودانت له شعرية السرد فنشر، فى عام 1941، "حديقة الطرق المتشعبة"، وفى عام 1949، "الألف" وهما من أعماله الشهيرة. ثم توالت إصداراته القصصية". وعن الطبيعة الذهنية لهذه القصص يرى دكتور أبو العطا أنه "ليس لأصالة قصص بورخِس نظير فى الأدب، لذا يصعب تصنيفها. تلوح بعض بدايات قصصه كأنها مبحث علمي؛ وأحيانًا فى شكل فكرة أو طرح جدلي؛ وفى أحيان أخرى على هيئة اعتراف... وحيله فى ذلك متعددة: فقد يبدأ النص بفقرة من عمل أدبى قديم أو من مرجع تاريخى أو علمي، أو باستدعاء أسطورة قديمة أو طرح لم يحسم... الأساس هو السمو على الشائع والمعروف". ويستدرك قائلًا: "ليس بورخِس مجرد مؤلف قصص خيالية، بل يسعى إلى إشراك القارئ معه فى ألعابه الذهنية الراقية وشده إلى طروحه الميتافيزيقية الرفيعة". ومن هنا يكون بورخِس من أوائل المؤسسين للكتابة الذهنية وإشراك القارئ فى عملية الكتابة، بل والحديث عن عملية الكتابة ذاتها (الميتا سرد أو ماوراء الكتابة)، وهو ما اتسمت به كثير من الكتابات السردية فى نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادى والعشرين.
يتفق كثير من النقاد على أن المتاهة والمرآة والحلم وصورة الكون من أهم الثيمات المميزة لقصص بورخِس. يقول دكتور أبو العطا: "من الشائع أن نرى كيف تعجز شخوص قصصه عن فهم الكون، لذا فهم يصوغون متاهات وبناءات ذهنية خاصة بهم ويشعرون بالأمان داخلها".
فى مستهل قصة "مكتبة بابل" يطرح الكاتب تصوره للكون فى هيئة المكتبة، حيث تتجسد المتاهة والمرآة والأحلام: "الكون (الذى يسميه آخرون "المكتبة") يتألف من عدد غير معروف – ربما يكون لا نهائيًا – من القاعات المسدسة.... ومن أية قاعة مسدسة ترى الطوابق السفلية والعلوية، بلا نهاية.... أحد الضلعين الخاليين من الكتب مفتوح على دهليز ضيق يصب فى قاعة أخرى مطابقة تمامًا للأولى ولجميع القاعات. إلى يسار الدهليز ويمينه حجرتان صغيرتان.... ويمر من هناك السلم الحلزونى الذى يهبط ويصعد صوب البعيد. هنالك مرآة تضاعف المرئى مرتين فى دقة. واعتاد الرجال أن يستدلوا من المرآة على أن المكتبة ليست لا نهائية... وأنا أفضل الحلم بأن الأسطح المصقولة تشكل اللانهائى وتعد به". ويتأكد هذا المعنى فى نهاية القصة: "كتبت الآن كلمة "لانهائية"... لأقول إنه ليس من غير المنطقى التفكير فى أن العالم لا نهائي. إن من يعتبرونه محدودًا يرون أنه فى أنحاء بعيدة يمكن أن ينتهي، لكن هذا ضرب من العبث. وينسى من يتخيلونه بلا حدود أن العدد الاحتمالى للكتب له حدود". ويعود ليؤكد: "وأسمح لنفسى بأن أوعز بهذا الحل للقضية القديمة: "المكتبة غير محدودة ودورية". لو أن رحالة أبديًا اجتازها فى أى اتجاه لتيقن بمرور القرون من أن المجلدات نفسها تتكرر فى الفوضى نفسها (التى لو تكررت لصارت نظامًا، بل تصير "النظام")...". وفى قصة "الألف" يتجلى تصور بورخِس للكون أيضًا، ولكنه هذه المرة "نقطة فى الفضاء تحوى كافة النقاط". فبينما يهبط الراوى إلى القبو بحثًا عن "الألف" يلتقى تصوره عن الكون مع المرآة: "فى الجزء السفلى من درجة السلم، إلى اليمين، رأيت دائرة صغيرة مموجة الألوان، ذات وميض يؤذى العين تقريبًا. فى بادئ الأمر، اعتقدت أنها تتحرك دائريًا ثم تبينت أن تلك الحركة كانت خداعًا بصريًا نتيجة لتلاحق العروض السريعة داخلها. قد يكون قطر الألف سنتيمترين أو ثلاثة بيد أن الحيز الكونى جميعه كان بلا اختصار فى حجمه. كل شىء (صفحة المرآة مثلًا) كان أشياء لا نهائية، لأننى بالطبع كنت أراه من كافة أنحاء الكون". ويتواصل وصفه للألف، فيلتقى الكون مع المرآة، وينفتح الاثنان على المتاهة: "رأيت البحر الزاخر، رأيت الفجر والمساء... رأيت متاهة محطمة... رأيت عيونًا متجاورة لا تنتهى تتفحص نفسها فىَ كأنها تنظر فى مرآة، رأيت مرايا الكوكب بيد أن أيًا منها لم تعكس صورتي.... رأيت فى مكتب فى "الكمار" كرة أرضية بين مرآتين تعكسانها بلا نهاية.... رأيت الألف من كل الجهات، ورأيت الأرض فى الألف، والألف فى الأرض مرة أخرى، والأرض فى الألف، رأيت وجهى وأحشائي، رأيت وجهك، وأحسست بدوار وبكيت لأن عينيّ شاهدتا ذلك الشىء الخفى والحدسى الذى ينتحل البشر اسمه مع أن أيًا منهم لم يره: الكون كما لم يدر بمخيلة أحد". وفى قصة "حكاية قصر" تلتقى المتاهة بالمرآة: "فى ذلك اليوم اصطحب "الإمبراطور الأصفر" الشاعر ليريه القصر. جعلا يخلفان وراءهما، فى عرض طويل، أولى الشرفات الغربية التى كانت تنحدر – فى شكل مدرجات مترامية – ناحية فردوس أو حديقة كانت مراياها المعدنية وأطرها المتشابكة من العرر توحى بالمتاهة". أما مدينة الخالدون فى قصته "الخالد" فقوامها من المتاهات: "أجبرتنى قسوة النهار على الاحتماء بكهف ينتهى ببئر بها سلم يغوص فى الظلمة السفلية. هبطت وعبر فوضى سراديب رهيبة بلغت حجرة دائرية واسعة، لا تكاد تُرى، بها تسعة أبواب، ثمانية منها تؤدى إلى متاهة تعود فتصب، على نحو زائف، فى نفس الحجرة، ويؤدى التاسع عبر متاهة أخرى إلى حجرة أخرى دائرية مطابقة للأولى". وتلتقى المتاهة مع الأحلام فى قصة "كتابة الإله". يسقط السجين فى متاهة لا نهائية من الأحلام: "فى أحد الأيام أو الليالى – أى فارق هنالك بين أيامى وليالي؟ - حلمت بأن ثمة حبة رمل على أرض السجن. عاودت النوم غير مبال، فحلمت أننى أصحو من نومى وأن ثمة حبتى رمل. عدت إلى النوم، حلمت أن حبات الرمل كن ثلاثًا. وهكذا أخذت تتضاعف حتى غطت السجن وقضيت نحبى تحت نصف الكرة الرملى ذاك. فطنت إلى أننى كنت أحلم، وبجهد رهيب استيقظت. وكانت اليقظة بلا طائل إذ أن الرمل الفائق الحصر كان يخنقني. أحد ما قال لي: "إنك لم تعد إلى حالة السهاد، وإنما إلى حلم سابق، وذلك الحلم موجود داخل حلم آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية الذى هو عدد حبات الرمل.... من متاهة الأحلام التى لا تعرف الكلل عدت إلى السجن القاسى كأننى عدت إلى منزلي...".
تجد متاهات بورخِس الذهنية ومراياه العاكسة الآن صدى واسعًا فى كثير من الكتابات السردية الحديثة، ممن وجد أصحابها فيها ملاذا من واقع ضاغط تنوء به تقنيات السرد التقليدية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...
تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..
فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...
عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية