ترحال - لعنة فتاة "نهر السين" المجهولة!

هاهي مجهولة نهر السين، وعلى انعكاس ملامحها الميتة التي اعتقلتها انامل فنان قبل ان تخبو في مجاهل النسيان، هاهي “آن المنقذة” كما يطلقون عليها، تواصل كل ليلة سرد

هاهي مجهولة نهر السين، وعلى انعكاس ملامحها الميتة التي اعتقلتها انامل فنان  قبل ان تخبو في مجاهل النسيان، هاهي “آن المنقذة” كما يطلقون عليها، تواصل كل ليلة سرد اسطورة النهر الوحيدة، الذي يركض امام المارة مزيناً بالخضرة بجمال مستحيل الاحتواء، يدفع بالقلب حتي حافة البكاء، وقد بدا وهو يبدل وجوهه والوانه في كل لحظة، وكأن فناناً مجهولاً من اولئك الذين يستوقفونك علي ضفافه ليرسموا وجهك، وقد سكب الوانه الرمادية في مياه النهر، كل ليلة “آن المنقذه” تستوقف المارة لتبدأ حكايه السين من حيث انتهت، تحدثهم عن “عذراء أورليانز”، عن رماد بلّوري لجسد قدّيسَة، نثروه في السين العتيق…عن أمسيات حب ووجد غمسها السهارى في صفحة الماء، حيث يطيب للسهارى نسج الحكايات حتى يطلع الصباح، عن صبية غامضة، لا تدركها الا شفاه المنقذين المسعفين لحظة اعتقال الحياة قبل ان ترحل من افواه الغارقين.

 مجهولة نهر السين، وبعدما يوغل الليل تأخذ مكانها فوق الجسر، تنثر ورد الضائعين والمشردين وغرباء المدينة، لتضيء صفحة النهر، مع كل نهار جديد كانت تترك للباريسيين أثرا، قبلة فوق شفاة الناجين من الموت، تنثر آن ورودها ثم ترحل، ولكن في هذه الليلة المشئومة من عام ١٩١٠، لم تنثر آن الزهور في السين، ولم يلاحظها السهاري، غضب السين لغياب مجهولته.. ارتدي عباءته الرمادية، هاج وفاض، اغرق المدينه، اخذ من اخذ تحت عباءته ليواريه اللحد، تاركا باريس خاوية مهدمة حزينة، فارغة. وهاهم اهل باريس عادوا ليتحدثوا عن اختفاء مجهولة نهر السين منذ ايام، لم يعد احد يشاهد آثارها من ورود، ولم تستوقف المارة لتحكي لهم حكايات السهاري علي ضفاف النهر ،وثار السين من جديد لغياب محبوبته، فاض ابتلع من ابتلع، وكأن لمجهولة باريس لعنتها وانتقامها ممن فعلوه بها، حتي ولو كانوا الاحفاد، ومازال البحث مستمرا عن مجهولة السين، ربما يعود للنهر هدوءه برؤية ابتسامتها السرمدية.

ولكن من هي مجهولة نهر السين وماهي حكايتها العجيبة؟ في نهاية القرن التاسع عشر، وبالتحديد في مشرحة تقع في قلب العاصمة الفرنسية باريس، والتي كانت تعتبر من اكثر الأماكن المشهورة في ذلك الوقت، اذ كان المئات من السكان يتوافدون كل يوم عليها، لمشاهدة عرض حي للجثث مجهولة الهوية، مرمية علي قطع من الرخام الاسود،فيما يفصلها عنهم جدار زجاجي.. كُلِ يبحث عن وجه غائب خرج ولم يعد ضمن تلك الوجوه المكشوفة لجثث تم العثور عليها في المناطق العامة أو النائية، او أنتشالها من نهر السين، على أمل أن يجدوا فيها ضالتهم ،او ان يتعرف علي ملامحها أحد ما من مشاهدي هذا العرض المسرحي المجنون .. وذات يوم من ايام هذا العرض الجنوني من عام ١٨٨٠، وحدها دون الجثث المرمية فوق الرخام الاسود بجمالها وباتسامتها الملغزة، تفتن موظفا كان يعمل في هذه المشرحة في ذلك الوقت، الى حد أنه قام بصنع قناع شبيه لوجهها، هذه الغريقة ذات الابتسامة المماثلة لابتسامة الموناليزا، ذاع صيتها وتم بيع قناعها بعد ذلك كالخبز الفرنسي في انحاء فرنسا.

  قناع هذه المرأة ذات الوجه المطمئن الى الموت، بات يأخذ شيئا فشيئا بعدا أسطوريا وجماليا، الى درجة أنه يتحول الى ديكور يزين به الناس منازلهم كأقنعة كرنفال فينسيا، ومن هنا انتشر القناع ليعم أرجاء أوربا ويفتنها، وتصبح صاحبته مصدر الهام الكتاب والشعراء.

ويبقي السؤال يلح: من هي هذه الفتاة المجهولة التي وجدت جثتها في قاع نهر السين لتصبح اشهر امرأة في فرنسا بوجهها وابتسامتها التي هي اجمل من ابتسامه الموناليزا واكثر الهاما لمخيلة الشعراء والفنانين؟

في الحقيقة انه بعد فحص الجثة من قبل الطبيب الشرعي، اتضح أنها لاتحمل آثار عنف أو قتل، فأغلق الطبيب ملفها الطبي مستنتجا أنها حالة انتحار، ليبقي السؤال محور حديث الناس: ما الذي يدفع فتاة مثلها الي الانتحار، هل هو العشق؟ هل عذبت لدرجة ان ارتكبت هذا الفعل الجنوني، فيما وجهها مبتسم مقبل علي الموت بهدوء ملائكي؟

في عام 1931 كُتبت حكاية عن مجهولة نهر السين تدور حول الأفكار التي كانت تراود رأسها والمياه تجري به ،ولكنها ظلت حكايات من مخيلة شاعر او روائي.

اما دولة فرنسا الوفية دوما،والفخورة بكل من يسطر في  تاريخها سطرا باسهامة صغيرة أو كبيرة، سواء كان معروفا أومجهولا، حتي انها ان لم تكرمهم احياء او موتي، فهي تخلد ذكراهم بطرق بسيطة جميلة ومعبرة، ففي كل زاوية حارة او ميدان،  هناك تذكار أو نصب صغير لأناس كانوا أبطالا بشكل أو بآخر، مثلا يمكنك ان تشاهد اثناء مرورك في اي شارع  وقعت فيه حادثة، نصباً صغيراً وباقة ورد وضعا في زاوية من زوايا الشارع، وقد كتب عليه: ( في هذا الشارع قتل الشرطي فلان أثناء تأدية واجبه الوطني) مع باقة من الورد يتغير لونها وشكلها كل يوم.

أما هذه الفتاة التي لم تعرف أن ابتسامتها التي تشع من على وجهها هي ابتسامة مشرقة ومثيرة للاعجاب أكثر من ابتسامة فتاة حية جميلة، ورغم انها لم تقدم اي خدمه لوطنها اثناء حياتها القصيرة، الا ان قصتها التراجيدية غير المعلومة، باتت أسطورة تعتز بها فرنسا وتقدرها، كامرأة ميتة تنقذ الأرواح، حتي ان قناع مجهولة نهر السين، كان رمزا بل وأيقونة النصف الأول من القرن العشرين، وعلى الرغم من أن الكثيرين لايتذكرونها في يومنا هذا، الا ان الموت الهادئ والمبتسم على وجهها تم تناقله عبر الاجيال من خلال وسيلة فريدة من نوعها. ففي الخمسينيات، اقترح النرويجي أسموند ليردال من مواليد عام 1914 مؤسس شركة الألعاب البلاستيكية المرنة، صنع دمى بلاستيكية للعاملين في مجال الانقاذ وخصوصا طريقة الانعاش القلبي والرئوي ( قبلة الحياة مع تدليك موضع القلب).

لقد كان ليردال مطلعا على قصة” مجهولة نهر السين “وقناعها، والتي ألهمته صنع دمية حجمها بحجم الإنسان، ليرشد المنقذين الى طرق الانقاذ والانعاش بشكل أفضل. متأثرا بموت هذه المرأة التي كانت في ريعان شبابها، فقام بصناعة نموذج من الدمى ذات وجه مقنع بقناع مجهولة نهر السين، واطلق عليه اسم "آن المنقذة" والتي تعرف بهذا الاسم الى يومنا هذا، وتستخدم في اوربا وبعض دول العالم.. تم اطلاق دمية “آن المنقذة” عام 1960، لتحقق نجاحا واسعا في ميدان الاسعافات الأولية، فهذه الدمية وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على صنعها، و تحديثها وتغييرها على مر الزمن ،الا أنها لاتزال تحتفظ بوجهها الجميل الميت بتألق !!.

 والمفارقة لمحزنة، أنه تم انقاذ مئات الآلاف من الأرواح من قبل المسعفين المتدربين على قبلة الحياة على وجه امرأة منتحرة لم تجد من ينقذها.

 وهكذا وبهذه الطريقة فمجهولة نهر السين التي نسبت اليها عشرات قصص الحب الغامضة والوهمية بقصد الوصول الى معرفة سبب انتحارها ، اصبحت المرأة الأكثر تقبيلا في العالم ـ علي حد قول صحيفة الليموند ـ انها قصة امرأة ستبقى الى الأبد بدون اسم ولا هوية, أسرارها مجهولة كنهر السين وفيضانه، الذي يحول المدينة الي فراغ مميت ،هذا الفراغ الذي عبر عنه الروائي فيليب فورست مواليد ١٩٦٢في روايته الرائعة (الفيضان) 2016 ، ليعالج  فيها الحالة النفسية التى تسيطر على رجل فقد ابنته التى لم تبلغ سوى أربعة أعوام في فيضان نهر السين . وذلك من خلال الفراغ القاتل الذى يشعر بة والغربة التى صاحبته، وخاصة عند عودته الى باريس بعد عدة أعوام من فقدان ابنته. وهو يعالج هذه الحالة ويتذكر ماتركه فيضان السين عام 1910 من فراغ ودمار فى الحياة الباريسية حيث ارتفع منسوب المياه ليبتلع النهر بفمة المائى القذر، كل حياة فى الأحياء الباريسية التى أغرقها، ولم يترك السين اية آثار من تلك الأحياء كما هى طبيعة الحياة على الأرض.. حيث كل شىء مصيره الى الزوال.

نبضة مسافرة

تشعر بالماء تتنفسه.. تشعر كأنك في مدينة محتلة من قبل عدو لدود

« جريدة الفيجارو 27 يناير 1910»


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية

بروح رياضية -دموع على القميص الأصفر

ربما لم يخطر ببال أى مشجع لكرة القدم فى مصر أن يأتى اليوم الذى يصل فيه النادى الإسماعيلى العريق للدرجة...

نحو الحرية - رسائل الرئيس

من أبرز ما تميز به احتفال مصر بعيد الشرطة المصرية ال ٧٤ الذى يوافق ٢٥ يناير من كل عام الذى...

بروح رياضية - شاهدت فى المغرب

عبر عدة أسابيع.. سجلت العديد من الملاحظات خلال  تغطية بطولة  الأمم  الأفريقية بالمغرب الشقيق.. وحاولت الاقتراب أكثر من أسباب توهج...