صورة - المثقف والحمار

حكى ابن عبد ربه فى العقد الفريد عن رجل أعمى بالكوفة ذهب ليشترى حماراً، فوقف عند نخاس الدواب وقال له: "أبغى حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إذا خلا

حكى ابن عبد ربه فى العقد الفريد عن رجل أعمى بالكوفة ذهب ليشترى حماراً، فوقف عند نخاس الدواب وقال له: "أبغى حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إذا خلا له الطريق تدفّق، وإذا كثر الزحام ترفّق، وإن أقللت علفه صَبر، وإن أكثرته شكر، وإذا ركبته هام، وإن ركبه غيرى نام؟".. فقال نخاس الدواب للأعمى: "يا عبدالله اصبر، فإذا مسخ الله القاضى حماراً أصبت به حاجتك إن شاءالله".

وكلما شاهدت أفعال المثقفين وأيضاً الغالبية العظمى من أهل السياسة فى مصر تذكرت الأعمى وحماره المتخيل.. أشعر بأن المثقفين يبحثون عن مواصفات الحمار الذى يشبه القاضى، ينتظرون أن يمسخ الله القاضى حماراً حتى يركبونه. وحمار المثقفين ليس حماراً يحمل أصحابه وأمتعتهم ويذهب إلى البيت أو الحقل، فإذا تعثر يمكن أن نقيله من عثرته، بل هذا الحمار هو مستقبل الثقافة، وظنى أنهم يرغبون مواصفات حمار الرجل الأعمى فى كل مشاريعهم الثقافية وبالتالى لا شىء يتحقق سوى الأمنيات، وربما نجد الأعذار للرجل الأعمى الذى يرغب حماراً بهذه المواصفات، فهل المثقفون أيضاً عميان؟ يبدو ذلك، والفرق بينهم وبين الأعمى أن الأعمى أعمى البصر وهم عميان البصيرة، والأمر لا يختلف كثيراً مع أهل السياسة، فالنظرية السياسية أو العقيدة الحزبية أهم من الوطن، وهكذا كلما تأملت على سبيل المثال أهل المسرح منذ سنوات وجدت أن أهل المسرح أهم من المسرح، مصالحهم أهم من المسرح نفسه.. وهذه حقيقة.. والأمر لا يختلف كثيراً فى شتى مفردات الثقافة المصرية، الكل يلهث خلف مواصفات الحمار، وهو يعلم أن هذه المواصفات لا علاقة لها بالحمار، ودائماً يظن المثقفون أن الحمار قاض، وأضعف الإيمان أنهم يرون مواصفات القاضى فى الحمار، وبالتالى يرى مواصفات الحمار فى القاضى.

لقد أصبحت الوظيفة الرئيسية للمثقف الكلام، والبحث عن أوصاف الحمار المستحيلة لا أكثر ولا أقل، دون النظر إلى الواقع أو قضاياه، دون أن يشارك فى التأثير فى المجتمع. هناك طائفة من المثقفين لا تفل شيئاً سوى البحث عن هذا الحمار!


 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - الاتحاد قوة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...

بروح رياضية - إلغاء الدورى

تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..

حكايات عادية جداً : شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»

فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية