مولد «درنكة» ومركز الدراسات القبطية دليل حى على صحة «روح مصر»

ما أفسدته التيارات السلفية والجماعات المتطرفة يُصلحه هذا المركز، إنه يعمل فى دأب وصمت على سحب سموم الفتنة الطائفية وثقافة الكراهية التى بثها شيوخ الفتنة فى جسد

ما أفسدته التيارات السلفية والجماعات المتطرفة يُصلحه هذا المركز، إنه يعمل فى دأب وصمت على سحب سموم الفتنة الطائفية وثقافة الكراهية التى بثها شيوخ الفتنة فى جسد المجتمع المصرى وإعادته إلى سيرته الأولى: شعب واحد لا تعرف فيه مسلما من مسيحى، حيث الكل فى واحد.

فى مركز الدراسات القبطية التابع لمكتبة الإسكندرية تتجلى مصر الحقيقية، فمديره مسلم وهو الباحث والخبير الأثرى د. لؤى محمود سعيد، والعاملون فى المركز يُختارون على أساس الكفاءة وليس الديانة، وأنشطته وفعالياته وإصداراته تتوجه إلى كل المواطنين، بل تشترط على المؤسسات والجهات المسيحية التى تتعاون معها فى أنشطتها أن تكون الدعوة فيها عامة، للمسلمين والمسيحيين معا، حتى ولو كانت فى الكنائس والأديرة.

ومنذ أن جاء د. مصطفى الفقى رئيسا لمكتبة الإسكندرية، والمركز يحظى بدعم خاص منه، إيمانا منه بدوره وأهميته وإدراكا لتأثيره، ولمن لا يعرف فإن د. الفقى واحدا من أكبر المهتمين بالشأن القبطى ونال فيه رسالته للدكتوراه..

وفى أبريل الماضى نظّم المركز مؤتمرا دوليا عن «التراث والآثار القبطية فى رحاب الحضارة الإسلامية»استضافته جامعة الفيوم لتكون المرة الأولى التى يُعقد فيها مؤتمر خاص بالقبطيات فى جامعة حكومية مصرية، ورعته مطرانية الفيوم وأسقفها الأنبا إبرام، وشارك فيه نحو 60 باحثا من دول مختلفة.. وربما كان من أبرز الأبحاث التى قدمت فى المؤتمر هو البحث المشترك بين د. لؤى سعيد والأنبا مقار أسقف الشرقية والعاشر من رمضان عن «أثر الثقافة الإسلامية فى النصوص الأولى للكتّاب الأقباط».. وتثبت أوراقه مدى التداخل والتأثير المتبادل بين الثقافتين القبطية والإسلامية منذ دخول الإسلام مصر فى القرن السابع الميلادى.. وأنه ليس هناك حدود فاصلة ولا قاطعة بين ما هو قبطى وما هو إسلامى.

ويضرب لى د. لؤى مثلا بموالد الأولياء والقديسين فى مصر، حيث تتوارى الديانة أمام الطقوس الشعبية، ويتحول المولد إلى حالة مصرية خالصة لا تعرف بين الحشود التى تحيط بالمقام أتباع محمد من أنصار المسيح.

وليست مفاجأة أن تثبت الدراسات الميدانية أن أغلب زوار موالد القديسين هم من المسلمين، والدراسات التى أجريت مثلا على رواد مولد العدرا فى جبل أسيوط تؤكد أن 60% منهم مسلمون.

وليست مصادفة أن يتزامن ويتجاور مولد السيدة العذراء فى ديرها بدرنكة بجبل أسيوط «الذى يأتى كل عام فى أغسطس»، أكبر الموالد القبطية فى الصعيد، مع مولد ومقام أحد أكبر أوليائه.. سيدى الفرغل: سلطان الصعيد، فيشد المسلمون الرحال للتبرك بالسيدة العذراء، ويتوجه الأقباط للتبرك بالولى الصالح.. مشهد لن تراه إلا فى مصر، وسيظل باقيا علامة على روحها وهويتها وشخصيتها مهما حاول المتعصبون بث سمومهم وفتاواهم ودعاواهم الكريهة.

مشهد اجتماع المسلمين والمسيحيين معا عند مقامات وأضرحة الأولياء والقديسين أثار دهشة وتعجب الباحث الشهير (مكفرسون) صاحب واحدة من أهم وأقدم الدراسات عن الموالد الشعبية فى مصر (نشرها سنة 1947) قال فيها بالنص: «لم أجد مكانا يمجد فيه المسيحيون والمسلمون - بطوائفهم المختلفة- مساجد وكنائس بعضهم البعض علنا بصداقة وعن طيب خاطر ويطلبون البركة من أضرحة بعضهم البعض إلا فى مصر».

وقبله جاءت الباحثة (وينفرد بلاكمان) لتقيم فى مصر ست سنوات لتدرس موالد المصريين وأعيادهم فى الصعيد وكتبت فى دراستها التى نشرتها عام 1927 بأنها فوجئت بأن عدد الذين تجمعوا من المسلمين للاحتفال بمولد القديس مار جرجس يتساوون تقريبا مع عدد المسيحيين»..أنها مصر المحروسة ببركة الأولياء والقديسين ومنهم تستمد البركات والمعجزات فى كل زمان».


 شهر العدرا

وأغسطس هو شهر (العدرا) فى أسيوط، حيث يستمر الاحتفال بها لمدة أسبوعين متصلين بين 7 و21 أغسطس، وهى المدة التى احتمت فيها هى ووليدها فى جبل أسيوط فى رحلتها الطويلة الشاقة فرارا من بطش الرومان، وكان جبل أسيوط منتهى رحلة العائلة المقدسة التى بدأت من بيت لحم فى فلسطين، ووجدت السيدة العذراء فى رحلة الهروب أن مغارات الجبال كانت أحنّ عليها ووليدها من البشر!

تظل (مريم) هى أيقونة المحبة فى الإسلام والمسيحية، وعندها تتجمع القلوب وتصفو النفوس ويفيض الحب ويشرق التجلى، وليس مصادفة أن تكون المرأة الوحيدة التى حمل اسمها سورة من سور القرآن، والمرأة الوحيدة التى اصطفاها الله مرتين فى آية واحدة، والوحيدة إلى قيام الساعة التى نفخ الله فيها من روحه.. وليس مصادفة أن يتصدر اسمها قائمة أسماء بنات المسلمين.. وليس مصادفة أن يحفظ كثير من الأقباط سورة (مريم) ولا يجدون أى غضاضة فى أن ينصتوا إليها بأصوات مشاهير المقرئين.

هذه المحبة تتجلى فى درنكة، القرية التى أسعدها زمانها ومكانها بأن تجاور دير (العدرا) المنحوت فى حضن الجبل، وتتجسد فيه عظمة وفخامة العمارة القبطية، حيث يرتفع عن سطح الأرض بنحو 120 مترا، ويشع بالنور والطيبة كصاحبته، ويزوره أكثر من مليونى زائر، بينهم المسلم والمسيحى، الأرثوذكسى والإنجيلى، المصرى والأجنبى، الفقير والغنى، العجائز والرضع..كلهم يجتمعون على محبة مريم ويأتون من أجلها..

ومن فرط الزحام فى مولد العدرا فكرت الأجهزة الأمنية فى بعض السنوات على قصر الدخول إلى الدير والمولد على الأقباط وحدهم من خلال التدقيق فى بطاقات الهوية، لكن الفكرة فشلت بجدارة، فقد كان الأقباط أنفسهم أكثر حرصا على دخول الزوار المسلمين، إدراكا منهم ووعيا بأن حضن العدرا يتسع للجميع، وأن مولدها  ليس طقسا دينيا، بل مناسبة شعبية تتجلى فيها روح مصر حيث الدين لله والوطن للجميع..وأم النور كذلك.

يبعد دير العدرا عن مدينة أسيوط نحو 10 كيلو مترات، ورغم توافر سيارات أجرة تقطع المسافة فى أقل من ربع ساعة، إلا أن (دراويش العدرا) يصرون على أن يسيروا إلى ديرها سيرا على الأقدام.. ولو استطاعوا أن يذهبوا إليها سيرا على الرأس لفعلوا!

فى دراساته الاجتماعية القيمة سجّل عالم الاجتماع الشهير د. سيد عويس بأن مصر تحتفل بـ 2850 مولدا  لأولياء وقديسين، يشارك بها نحو نصف الشعب المصرى من مسلمين ومسيحيين، ولا تعرف فى أى منها المسلم من المسيحى، بل إن مولد العدرا فى بعض السنوات كان 60% من حضوره مسلمين..بما يعنى أنهم ليسوا ضيوفا بل (أصحاب مكان) ولو كان دير العدرا.

نحن إذن أمام دولة خاصة اسمها دولة الموالد، ينتمى إليها نصف شعب مصر على الأقل، لا ينقطعون عن الاحتفال بكل هذا العدد الهائل من الأولياء والقديسين، فى كل المحافظات وفى كل الفصول، وتحولت الموالد على يديهم إلى أعياد للبهجة يهربون إليها من رتابة الحياة، لذلك تكتشف أن الطعام والغناء والرقص هى الطقوس الأهم فى تلك الموالد، فقد حولّها المصريون من احتفالات بالأموات إلى عشق للحياة!


 مدد يا أم النور

فى دير العدرا يحتشد المسلمون والمسيحيون بنفس الحماس طلبا للمدد من أم النور.. يوقدون لها الشموع، ويبثونها شكاواهم وأحلامهم وأمانيهم من الشفاء إلى سترة البنات، ومن زيادة الرزق إلى جلب الحبيب، وكلهم على ثقة لحد اليقين بأن الله يسمع وسيستجيب حتما لأجل خاطر حبيبته الطاهرة  أم النور..

روح المحبة وثقافة التسامح التى تملأ قلوب زوار العدرا هى نفسها الهدف الأول والأهم لمركز الدراسات القبطية التابع لمكتبة الإسكندرية، الفارق هو أن المركز يسعى إلى هدفه بشكل علمى منظم يقوم كما يقول د. لؤى سعيد على ثلاثة محاور أساسية: التثقيف والتنوير من خلال المحاضرات العامة والدورات التدريبية فى مجال القبطيات.. ثم البحوث والدراسات والمطبوعات وتشمل النشر العلمى والمؤتمرات  وهنا لابد من الإشارة إلى سلسلة (كراسات قبطية) التى تصدر عن المركز وحققت صدى طيبا بدليل نفادها فى كل معارض الكتب والإلحاح من المهتمين بضرورة إصدار طبعات جديدة من الأعداد التى نفدت، وكان بينها دراسة مهمة للباحث أشرف أيوب معوض عن (الموالد القبطية.. مولد الأنبا شنودة نموذجا)..ثم أخيرا هناك محور المشروعات العلمية، وبينها مشروع طموح يجهز له المركز الآن لعمل قاعدة بيانات بكل ما هو منشور باللغة العربية فى مجال القبطيات، ومشروع لتوثيق مقتنيات الكنائس المصرية سواء الثابتة (الحوائط الأثرية مثلا) أو المتحركة (الأيقونات مثلا)لابد أن تكون مطمئنا على مستقبل هذا البلد ما دام المسلمون يزاحمون الأقباط على محبة السيدة العذراء وعلى الاحتفال بعيدها فى ديرها بجبل أسيوط.. ويزداد اطمئنانك بوجود مركز للدراسات القبطية مهمته نشر المحبة وثقافة التسامح وإثبات أن الدين لله والوطن للجميع.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

هندسة العقول في عصر الخوارزميات.. كيف تبرمج الشاشات حياتنا وتسرق انتباهنا

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة نستخدمها، بل أصبح مخرجاً خفياً يتلاعب بسلوكياتنا ويصنع إدماننا الرقمي

أسباب «زلزال نتائج الثانوية العامة».. وأثرها على التنسيق الجامعى

زلطة: صدمة المتفوقين وأولياء أمورهم نتاج طبيعى ل «الإهمال الانتقائى» عبد العاطى: البرلمان لن يتهاون فى المحاباة أو الغش الجماعى

تحركات حكومية جادة لمواجهة الشائعات والأكاذيب عبر مواقع التواصل الاجتماعى

حسام الضمرانى: الغرامات المالية والحجب والفلترة.. لا تكفى زياد عبد التواب: جهات مشبوهة تستخدم «السوشيال ميديا» لإثارة البلبلة فى المجتمع