العروسة فى «زاوية دهشور» تُجهّز نفسها وحماتها

بالرغم من سوء الحالة الاقتصادية فى معظم البيوت المصرية وبالأخص القرى والنجوع والكفور، إلا أن هناك عادات وتقاليد غريبة متعلقة بالزواج فى قرية «زاوية دهشور»، قد تقذف

بالرغم من سوء الحالة الاقتصادية فى معظم البيوت المصرية وبالأخص القرى والنجوع والكفور، إلا أن هناك عادات وتقاليد غريبة متعلقة بالزواج فى قرية «زاوية دهشور»، قد تقذف برب الأسرة خلف قضبان السجون، إذ يستدين من الأهل والأقارب والأصدقاء لضمان إتمام زواج إبنته، وأحياناً مايعجز عن السداد ويكون مصيره السجن.

قرية "زاوية دهشور" تتبع أحد مراكز محافظة الفيوم وهى من القرى الفقيرة كما يظهر من مستوى البيوت وحالة الناس العامة مما يعطى انطباعا لأى زائر لها بأنها لا يمكن أن تكون من القرى التى يغالى أهلها فى المهور وتكاليف الزواج بشكل عام، لكن مايحدث عكس ذلك فمعظم أهلها يقدمون الغالى والنفيس فى سبيل إتمام الزيجة حتى لو كلفهم ذلك الدخول للسجن بسبب عدم القدرة على السداد، وقد حدثت مآس فى هذا المجال وهو ما دفعنى لزيارة هذه القرية.

  العروسة وحماتها

فى أول القرية وعلى شاطئ أحد المصارف وجدت سيدة مسنة تجلس فى ناحية تظللها الأشجار تبيع بعض الفواكه والخضراوات التى بدت وكأنها غير صالحة للاستخدام نظرا لرداءة حالتها، السيدة كانت تحاول النجاة بوجهها من حرارة الشمس اللافحة تفاوض زبائنها الذين كانت حالتهم ليست بأسعد منها، اقتربت منها بعد أن انتهت من زبائنها وسألتها عن حقيقة ما كنت أبحث عنه فقالت مبتسمة: اسمى الحاجة نادية حسين وزى ما انتى شايفة كده ببيع خضار وفاكهة، فى الحقيقة يا بنتى الوضع هنا خراب بيوت، العروسة عندنا لابد يروح لها 3 أنواع من الحبوب من كل نوع شيكارة خمسين كيلو، يعنى شيكارة أرز، وشيكارة مكرونة، وشيكارة شعرية، وكله كوم وجهاز "الحماة" كوم تانى، الحماة هنا يا بنتى لازم تتجهز زى العروسة بالضبط، يعنى يروح لها ثلاجة، وبوتاجاز، وغسالة، وفرن، وساعة قراءة الفاتحة العروسة يروح لها خاتم ودبلة ومحبس، وبقية الذهب بيتكتب فى القايمة، دا غير أقفاص الفاكهة من الموجودة فى السوق، وكرتونة حاجة ساقعة.

  شيكات للجهاز

وتكمل الحاجة نادية: طبعا أهل العروسة بيكونوا عاملين "عشا" مكلف، وتانى يوم فيه حاجة اسمها "رد الشبكة" يعنى الحاجات اللى العريس أخدها وهو رايح يخطب العروسة فى قراءة الفاتحة أهل العروسة يروحوا يردوا لهم الزيارة ويأخدوا معاهم فراخ وحمام وشاى وسكر وفاكهة، ونفضل فى الموضوع كام يوم، يعنى فيه مصاريف كبيرة قوى طول فترة الخطوبة، والتكاليف دى للفقراء اللى زينا، أما الناس المستريحة أو اللى معاهم فلوس فلهم وضع تانى، واللى عنده بنات وفقير وما يقدرش على التكاليف دى بناته "بتبور" وتقعد جنبه ودى عندنا فضيحة فيضطر يجهز ويكتب شيكات على نفسه ويستلف، وممكن يدخل السجن لو ما سددش لكن مش مهم المهم يكون ستر بناته".

  أخوات العريس

أثناء الجولة فى القرية سمعت صوت "زغاريد" آتية من شارع جانبى، وبالسؤال عرفنا أن هناك "عروس" تستعد لليلة "الحنة" وعندما وصلنا للمنزل وجدنا العروس "هاجر" صغيرة فى السن حاصلة على الإعدادية وخطيبها لتوه حاصل على "الدبلوم" قالت وهى تستعد للذهاب للكوافير: "اتخطبت بدبلة ومحبس، وخاتم وحلق، لأن الذهب غالى، أول ما العريس جاء ليخطبنى  اشترى لى فستان للشبكة وحاجة ساقعة وفاكهة، وتانى يوم أبويا رد الحاجات دى ليهم وكانت فراخ ومكرونة وفاكهة "عشا يعنى"، أما جهاز أم العريس فلابد منه، أنا مجهزة حماتى "بكل أجهزة المطبخ ، ولو عندها حاجة ناقصة لازم أكملها لها، ومش ممكن  أنسى اخوات العريس البنات من عبايات وبشاكير، ويوم الصباحية لازم يروح خمسين جوز حمام لأم العريس، تهدى منها لكل حبايبها"، ثم تركتنى لتذهب للكوافير وهى تقول "هى دى عوايدنا" يا مدام.

  سلو بلدنا

لم أشأ أن أعكر على العروس صفو فرحتها بأسئلة قد تبدو متأخرة عن سنها الصغير والتكاليف المبالغ فيها، ولكن كنت أسمع منها بابتسامة لا تخلو من العجب، وسألت والدها "شعبان مغاورى" عامل بالحدائق العامة فى جهاز نظافة القاهرة الكبرى وقررت أن  أوجه إليه كل ما يدور فى داخلى من تساؤلات فقال: راتبى ألفا جنيه بعد 26 سنة خدمة، وما أقدرش على مصاريف التعليم، ومعظم بنات القرية على هذا الحال، يعنى مش متعلمين تعليم عالى، احنا بنكتب الكتاب عرفى للإشهار فقط، ولما تبلغ البنت السن القانونية ساعتها بنكتب الكتاب، أنا عندى بنتان غير العروسة دى وهما  متجوزتان بنفس الطريقة، وأضاف: طبعا فيه ناس كتير بتدخل السجن بسبب تكاليف الجهاز، لكن اللى مش بيجهز حسب سلو البلد بناته بتبور، ودى عندنا فضيحة، وأنا بنتى الكبيرة متزوجة وأولادها فى المدارس دلوقتى، ومازلت أسدد نفقات جهازها حتى الآن، وربنا هو المعين المهم نستر البنات.

  ملك النيش

غادرت منزل والد العروس وأنا أسأل نفسى عن أى ستر يتحدثون هؤلاء الناس، أين هو ذلك الستر الذى يقذف بمن يبحث عنه إلى السجن وتمضية بعض من عمره خلف القضبان، أخيرا انتقلت لمنزل العريس الذى يستعد هو الآخر لليلة "الحناء" وقابلتنى أم العريس بالزغاريد وأدخلتنى إلى المطبخ لأرى ما أحضرته العروس، ووجدت نفسى أقف فى ذهول أحصى أطقم الأوانى المتراصة فوق المطبخ الضيق فوجدتها ستة أطقم بداية من الألومنيوم حتى التيفال، وما بينهما من الأستانلس والصاج والسيراميك وسألت أم العريس عن استخدامات كل هذا مع ان طقم واحد قد يكفى حتى نهاية العمر فأجابت: "هى دى عادتنا" ودخلت على "النيش" فوجدت عشرات من الأطقم المذهبة من الأركوبال والبيركس" ثم قالت والدة العريس لسه ناقص "ملك النيش"، أصل العروسة ما قدرتش تجيبه، يللا أصلهم غلابة وجهزوا على قدهم"، وعندما سألت عن "ملك النيش هذا" قالوا إنه طقم مذهب يوضع فى النيش ولا فائدة منه سوى أنه قطعة ديكور تزين محتويات النيش فقط، هو يعبر عن الوجاهة والقدرة المادية فقط لكن من الناحية العملية لا يستخدم مطلقا وسعره يتراوح بين عشرة آلاف إلى عشرين ألف"، لم أعلق على ما سمعت لكنى اكتفيت بالابتسامة الساخرة خاصة بعدما علمت أن أبو العروس لم يبق له إلا أن يببع ملابسه التى لن تسدد ما استدانه إكراما لعيون ملك "النيش" والأهم العادات والتقاليد.

  50 جوز حمام

كل هذا يحدث أثناء فترة الخطوبة وفترة التحضير للزواج، اما ما يحدث بعد الزواج فهو أمر آخر يستحق المتابعة، هذا ما أكدته إحدى بائعات الملابس فى القرية حكمت محمود قائلة: البنات الغلابة فى بلدنا ما لهمش جواز، علشان كده أبو البنت بيفضل السجن بس يستر بناته، لأن عندنا عادات مش موجودة فى أى مكان فى البلاد اللى حوالينا، فبعد دخلة العروسة ويوم الصباحية لازم يروح لها 50 جوز حمام، وتانى 3 أسابيع لازم يروح فيها عشاء لأم العريس،  بالإضافة لعربية محملة  بشكائر الأرز والمكرونة والدقيق والفاكهة وخروف كبير، وفى الأسبوع التانى لازم يحصل نفس الشىء، لكن بدل الخروف بنودى طيور من الرومى والبط والفراخ، وفى الأسبوع الثالث يتكرر نفس الحال، وبعد شهر من الزواج لابد العروسة تزور بيت أهلها، وقبل الزيارة لازم أبوها يعمل حفلة لاستقبالها حيث  يشترى لها خاتم ذهب وعباية جديدة، وإلا يتم تأجيل الزيارة، وأنا كبائعة أرى العجب فى هذه المناسبات، ففى عيد الام بتيجى العرايس الفقيرة علشان تشترى ملابس وبطانية وشال لأم العريس وبتدفع بالتقسيط ،وبعد أن تهديهم لأم العريس أجد أم العريس تأتى لتبيع لى هدايا العروسة وتشترى بدلا منها هدايا لأم العروسة، العريس والعروسة بيكونوا فقراء وحالتهم صعبة لكن المظاهر عندنا أهم، وفى حالة فشل العروسة فى تجهيز حماتها بالجهاز المطلوب حتى وإن لم تكن فى حاجة إليه تقوم حماتها بمعايرتها طيلة حياتها بين زوجات أشقاء زوجها وربما يتم طلاقها بعد فترة.

خرجت من القرية التى يتبارى أهلها فى الدخول إلى السجن تحت زعم الموروث والخوف من "المعايرة" بالتقصير فى جهاز لن يستخدموا معظمه .


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة

إنشاء محور مرورى جديد يبدأ من منطقة مجرى العيون ومصر القديمة تحويل الميدان إلى ممشى سياحى وربطه بالمناطق الأثرية المحيطة...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على...

من الغورية لشارع المعز على الفانوس دور

صنعه الفاطميون لإضاءة المساجد فصار رمزا لشهر الصيام آلاف البائعين يعملون فى مئات ورش صناعة الفوانيس معتمدين على موسم رمضان