قصة مصورة - حلالّ الكلام

فجأةً، وبينما تهم بسحب كرسي خشبى ببساطة لتجلس على المقهى البلدى البسيط، سيوقفك عامل المقهى مفزوعاً، وهو يصيح: شوف كرسي تاني.. ده كرسي حلّال الكلام!

ستندهش، ولن تفهم المقصود بالمهنة الغريبة، هل هناك حلّال للكلام، مثلما يوجد حلّال عُقد؟!

ستختار كرسياً أخر، وتجلس مترقباً ظهور الشخصية الأسطورية التى يخشاها عامل المقهى.

بعد قليل سيظهر رجل عادى فى جلباب أبيض، يبدو سبعينياً، يتأبط جريدة كأفندية القاهرة المنقرضين، ومن جيب عباءته يبرز قلم أزرق، يليق بموظف كبير لا يتوقف عن توقيع الأوراق!

عندما يقترب منه عامل المقهى، ستتوقع أن يُبعده مثلما أبعدك، صائحاً فيه: شوف لك كرسي تاني ده كرسي حلّال الكلام!

لكن، لاستغرابك، سينفض له العامل الكرسي من التراب، وبابتسامته البشوشة سيفسح له بكل ترحاب وتوقير كى يجلس، قبل أن يصيح لعامل النصبة فى الداخل: شاي على بوسطة لحلال الكلام!

هذا إذن هو الشخص المقصود! تعيد تأمله، بشعره الشائب المصفف بعناية مراهق، وشاربه المهذب فوق ذقن "منعّمة" كعريس حديث.. يفتح الجريدة من الصفحة الأخيرة، يدهشك أنه لا يبدأ بقراءة المانشيتات ولا حتى صفحات الرياضة والحوادث.. يعرف الصفحة التى يريدها كأنما اشترى الجريدة خصيصاً من أجل شيء محدد.

تقترب بعينيك حين يطوى الجريدة على حجره، وينتزع القلم من جيبه، ويبدأ الكتابة!

عندما تدقق النظر أكثر، ستكتشف أنه مندمج بكل حواسه فى حل مسابقة الكلمات المتقاطعة، وحينها ستستعيد المهنة التى يعرفه بها عمال المقهى، متسائلاً: ألهذا أسموه حلّال الكلام؟!

وقد غلبك الفضول، ستنادي على عامل المقهى كى يجلب لك مشروباً جديداً، رغم أنك لا تريد حقاً أن تشرب شيئاً، ورغم أنك جئت "مستعجلاً" لتخطف فنجان قهوة قبل مواصلة اليوم.. ستغدق على العامل البقشيش وقد قررت أن تحاسبه مبكراً، وكل ذلك من أجل هدف واحد، أن تسأله: إيه حكاية الراجل ده؟!

سيبتسم العامل وهو يعد البقشيش السخي، قبل أن يجيبك بسرعة لكي لا يتأخر على الزبائن أو يلاحظ صاحب المقهى تللكُؤه: هذا هو الأستاذ حامد، عاشق حل الكلمات المتقاطعة، عمره ٧٥ سنة الآن، منذ خمسين سنة، من قبل ولادة كل العاملين الحاليين بالمقهى بسنوات طويلة، وهو يواظب على شراء الجريدة والمجيء للمقهى العتيق كى يجلس مع نفسه ويحلها. لا يحب وضع الجريدة على ترابيزة، يكتفى بفردها على حجره والانهماك تماماً فى العمل، وحين ينتهى بنجاح من حل المسابقة، يصيح: حلال الكلام فك الكلام!  

"ومن هنا جه اسمه بين الناس!".. يقول العامل بينما يغادرك ركضاً ليتابع طلبات بقية الزبائن.

تبتسم، لتفاجأ بأن الرجل رفع وجهه فجأة، مبتسماً بدوره. تفهم أنه أتم مهمته الجديدة بنجاح، فتصيح من مكانك مغالباً خجلك وتطفلك: حلاّل الكلام فك الكلام!

فى هذه اللحظة، ينظر إليك، مستغرباً فى البداية، ثم ترتفع لأول مرة ضحكته، مجلجلة وواصلة إلى السماء!

 	طارق إمام

طارق إمام

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

آخر ما يمكن أن تتخيل رؤيته في هذه الصحراء الصفراء الممتدة: سمك حي.. تب
ثقافة

قصة مصورة - ملاهى الغيط

القرية صغيرة، حفظها الطفل شبراً شبراً، من آخر البيوت إلى حدود الإسفلت.
ابتسم.. أنت فى الإسكندرية!
ثقافة

قصة مصورة - من تحت لفوق

قصة
فصة مصورة اضحك.. «الكورة» تطلع حلوة
العائلة الكبيرة هجّت من حر شوارع القرية إلى حدود شط النيل.. جمعوا أنفس
ثقافة

قصة مصورة - بعد الحضرة

قصة مصورة بعد الحضرة
قصة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - حلالّ الكلام

فجأةً، وبينما تهم بسحب كرسي خشبى ببساطة لتجلس على المقهى البلدى البسيط، سيوقفك عامل المقهى مفزوعاً، وهو يصيح: شوف كرسي...

هدى عمران: الكتابة محاولة مستمرة لفهم العالم

الأدب ينطلق من المجتمع ولا يولد فى فراغ حرب غزة دفعتنى لإعادة النظر فى الوجود فكتبت «كازينو الملائكة» أى كتابة...

عبد الرحيم يوسف: توقعت فوز «آن كارسون» بنوبل ليلة إعلان الجائزة

ترجمة كتابها كانت عملًا مرهقًا لكنه ممتع ومليء بالأفكار دور النشر لا تقبل على ترجمة الشعر بالقدر الكافى ترجمت لها...

مارتن لوثر.. راهب ألمانى حارب «صكوك الغُفران» فى أوروبا

شخصيات لها تاريخ «121» هبّت عاصفة وشعر بالموت يقترب منه فطلب النجدة من القديسة حنّة والدة العذراء مريم ونذر أن...