النفس الإنسانية فيها من عوامل الخير والشر، وفطرتها أو طبيعتها الأولى خيرة، لكن هذه الفطرة لا تستمر عند البعض، فإرادة الإنسان واستجابته للظروف المحيطة به، تغير الفطرة،
النفس الإنسانية فيها من عوامل الخير والشر، وفطرتها أو طبيعتها الأولى خيرة، لكن هذه الفطرة لا تستمر عند البعض، فإرادة الإنسان واستجابته للظروف المحيطة به، تغير الفطرة، إما إلى مزيد من الخير أو إلى الشر. فالنفس تتغير أحوالها وتتقلب تبعا لما تتبع، فإن اتبعت منهج الله (الكتاب والسنة) مالت إلى الخير فأصبحت نفسا مطمئنة، وإن اتبعت نوازع الشر أصبحت نفسا أمّارة بالسّوء، وإن خلطت بين هذا وذاك أصبحت نفسا لوامة، تلوم صاحبها على إرتكاب المعاصى تارة، وتلومه على الزهد والورع تارة أخرى.
وفقا للتصور الإسلامى فإن مصادر الشر التى تؤثر فى الإنسان وتميل به بعيدا عن الخير ثلاثة، وهى: الهوى، والشيطان، والأشرار من الناس.
الهوى
يعرف الهوى بأنه ميل النفس إلى ما تحب من الخير أو الشر، وهذا الميل خلق فى الإنسان لضرورة بقائه، لذلك لا يصح ذم الهوى على الإطلاق، وإنما يذم الهوى المفرط، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار.
واتباع الهوى المذموم قد يكون فى أمور الدين وقد يكون فى شهوات الدنيا، أو فى الشبهات، وقد يكون فى أمر مشترك بينهما. فهوى الشبهة قد يوصل صاحبه إلى حد الابتداع فى الدين، وأما هوى الشهوة فقد يكون فى الأمور المباحة كالأكل والشرب والنكاح والملبس، وقد يكون فى الأمور المحرمة كالزنا والخمر، ومرتكب هذه المحرمات يسمى فاجرًا وفاسقًا وعاصيًا.
وأهواء الشبهات أعظم وأخطر من أهواء الشهوات.. قال تعالى (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) [القصص: 50].
وقد أمر سبحانه عباده بعدم اتباع الهوى المذموم، قال تعالى (فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء: 135)، وقال سبحانه (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26).
بل إن إتباع الهوى قد يصل بالإنسان لأن يعبد هواه، وهذا هو أخطر أنواع الشرك، وإتباع الإنسان هواه وإصراره عليه سببا فى عمى البصيرة، قال سبحانه (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية: 23).
والهوى يورث الكبر فى القلب، ويمنع قبول الحق، فمن ابتلى بداء الهوى لا يقبل الحق، ثم لا تلبث أن يفتن الناس بهواه وأهوائهم، قال تعالى (وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (الأنعام: 119).
الشيطان
الشيطان اسم جنس عام يشمل كل موجودٍ مؤذٍ مغوٍ طاغٍ متمرّد، سواءً كان من الجن أو الإنس، وجمعه الشياطين، أما إبليس فهو اسم عَلَمٍ خاص للشيطان الذى أغوى آدم عليه السَّلام.
والشيطان ليس له سلطة على الإنسان، إلا بالوسوسة والإغواء وتزين الشر، قال تعالى واصفا قوة الشيطان (فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء: 76)، وقد ذكر الحق تعالى عباده بالصراع بين آدم وإبليس، وحذر سبحانه وتعالى بنى آدم من إغواء الشيطان، فقال جل وعلا (يَا بَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 27)، والمعركة مستمرة بين إبليس وأعوانه وبين بنى آدم حتى قيام الساعة، فهى المعركة المستمرة بين الحق والباطل، والخير والشر.
والشيطان يزين للإنسان المعاصى من كفر وقتل وزنا وشرب خمر وكذب... الخ. وعلى الإنسان أن يحذر كيد الشيطان، وأن يعتصم بالرحمن لينجو من عاقبة المصير، وعبادة بنى آدم – الشيطان لا يلزمها صلاة أو ركوع أو سجود، وإنما تكون بطاعته، وينبهنا الحق سبحانه ألا نطيع شيطاناً (لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (يس: 60).
الضالون الأشرار
وردت أوصاف كثيرة للأشرار من الناس فى القرآن الكريم، تدل على أحوالهم وعصيانهم، وكيف تكون هذه الأحوال طريقا للشر، فالكفر والشرك والنفاق والفسق كلها طرق للشر، والكافرون والمشركون والفاسقون والمنافقون هم عصبة الشر، وهم شياطين الإنس.
ومن يكفر بالله تعالى أو يشرك به، أو ينافق فيظهر الإيمان ويبطن الكفر، أو يفسق عن طريق الله، يصبح من أولياء الطاغوت ويعبد الشياطين دون أن يعلم، قال تعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 257).
وبعض شياطين الإنس قد يكونون أكثر خطرا من شياطين الجن، والاختلاط بأهل الشر من الكافرين والمشركين والمنافقين والفاسقين ومحبتهم وموالاتهم له أثره فى سلوك الإنسان ومنهجه، فالصديق أو الصاحب سبب رئيس فى سعادة صديقه أو شقائه، ولذلك حذر الله تعالى من مخالطة ومصادقة أهل الشر، وأنبأ سبحانه بالعاقبة، فقال جل وعلا (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً. لَقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِى) [الفرقان:27- 29].
وفى الحديث (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبًا، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة). (متفق عليه).
القيمة المركزية للخير
مما يلفت الانتباه فى الخطاب القرآنى أن لفظ "صلح" وما اشتق منه (الصالحات، الصالح، أصلح...الخ) من أكثر الألفاظ ورودا فى كتاب الله. وغالبا ما يأتى لفظ الإيمان وما فى معناه مقرونا بلفظ الصلاح وما فى معناه. وعبارة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وحدها وردت فى القرآن 62 مرة. فاقتران العمل الصالح بـالإيمان فى القرآن بهذه الصورة المتكررة يعنى أن الإيمان وحده ربما لا يكفى، فلا بد من العمل الصالح.
ومن المفاهيم القرآنية التى تفيد معنى العمل الصالح: "البر". ويرتفع الخطاب القرآنى بمعنى "البر" إلى المستوى الذى يبدو فيه موازنا للإيمان والتقوى.
والبر فى اللغة يحمل الكثير من المعانى، خلاصتُها: معنيان اثنان هما: الصدق والإحسان.
والإحسان لا يقتصر على العطاء المادى فحسب، بل هو مفهوم شامل واسع لكلِّ العَلاقات التى تربط الإنسان بغيره من الأشخاص والأشياء والأحداث، وتحمل مفردة "الإحسان" فى وضعها اللغوى معنيين هما: الإتقان والجمال.
أما الصدق فلا يقتصر على القول المطابق للواقع؛ بل يشمل فعاليات الحقيقة الإنسانيَّة كلِّها، وتحمل مفردة "الصدق" فى وضعها اللغوى معنيَينْ: القوة فى الشىء، والإخلاص فى التزام الشىء.
ومفردة "البر" فى السور القرآنيَّة تحمل الكثير من المعانى والرموز والإشارات ذاتِ الدلالة الواضحة إلى حقيقة الإسلام؛ فلقد وردت هذه المفردة "البر" فى النص القرآنى: عشرون مرَّة، وخلاصة المعانى التى يضمرها "مفهوم البر"، عشرة معانى يؤدى بعضها إلى بعض، وينتج بعضها بعضًا، وهى: القوَّة، الإخلاص، الإتقان، الجمال، الاستقامة، الثبات، الارتقاء، العطاء، المبادرة، الاستعلاء بالله على الجاهلية والشرك.
إن معانى الخير الكثيرة التى يتضمنها مفهوم "البر" تظهر جلية فى قوله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177].
شعب الإيمان والخير
الإيمان من وجهة النظر الإسلامية ليس أمرا نظريا كما هو الحال فى بعض الديانات التى تروج لفكرة أن الإيمان فقط يضمن دخول الجنة أو دخول ملكوت السموات، فالإيمان لا بد أن تظهر ثماره فى الأقوال والأفعال، ولا بد أن تكون هذه الثمار خير ينتفع بها الآخرون، أو تمنع الشر ويأمن بها الناس، هذا ما يؤكده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)، وقوله صلى الله عليه وسلم (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه؟ قال: شره).
ويجمع العلماء على أن الإيمان أعلى درجة من الإسلام، رغم تداخل بعض شعب الإيمان مع أركان الإسلام، ومنهم من قال إن الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان هو الأعمال الباطنة.
وإذا حاولنا أن نرسم خريطة لما يعتبره الإسلام خيرا فربما تتطابق هذه الخريطة مع "شعب الإيمان" والتى تشمل العقائد والعبادات والمعاملات ومكارم الأخلاق، وكما جاء فى الحديث الصحيح (الإيمان بضع وسبعون شعبة أولها الايمان بالله عز وجل، وآخرها إماطة الأذى عن الطريق)، هذه الشعب هى شعب أو أنواع الخير من وجهة النظر الإسلامية.
ولعل من أحسن ما جاء فى بيان شعب الإيمان ما ذكره "الحافظ بن حجر" فى "فتح البارى" والذى استحسن طريقة "ابن حبان" فى إحصاء شعب الإيمان، ولخصها بأن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن:
فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل:
الإيمان بالله: بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شىء، واعتقاد حدوث ما دونه. الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه مسألة القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، ومحبة الله والحب والبغض فيه، ومحبة النبى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، ويدخل فيه الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، والإخلاص: ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، وشكر الله وحمده، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل على الله، والرحمة، والتواضع ويدخل فيه: توقير الكبير ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.
وأعمال اللسان وتشتمل:
التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو.
وأعمال البدن، وتشتمل:
التطهير حساً وحكماً، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضاً ونفلاً، والزكاة، وفك الرقاب، والجود ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف، والصيام فرضاً ونفلاً، والحج والعمرة، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحرى فى الأيمان، وأداء الكفارات.
ومن الإيمان ما يتعلق بالأتباع، كالتعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال وتربية الأولاد، وبر الوالدين وفيه اجتناب العقوق، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والرفق بالعبيد والخدم.
ومنه ما يتعلق بالعامة، كالقيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة ولى الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال البغاة، والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة وفيه جمع المال من حله وإنفاق المال فى حقه، وترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...
الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...
يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!
كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...