«المايا».. المقام الموسيقى الذى صنع مجد الطبلاوى

فى صباه كان للشيخ الطبلاوى صديق لا يفارقه، مقاول من أصول صعيدية وله أم صالحة يحبها لحد التقديس، كان هذا المقاول قبل أن يخرج من بيته كل صباح يُقبل يد أمه ويسألها أن

فى صباه كان للشيخ الطبلاوى صديق لا يفارقه، مقاول من أصول صعيدية وله أم صالحة يحبها لحد التقديس، كان هذا المقاول قبل أن يخرج من بيته كل صباح يُقبل يد أمه ويسألها أن تدعو له، فترفع يديها إلى السماء وتقول من قلبها :"روح يا ابنى ربنا يكتر أعداءك"، كل يوم تكرر الدعاء نفسه ولا تغيره!

 فسألها ابنها مرة مستغربًا ومستفسرا: "هو مافيش عندك غير الدعاء ده يا أمى؟" فأجابته بحكمة السنين: يا ابنى طول ما أنت ناجح يبقى لازم يكون لك أعداء، ولما يكتروا تعرف إنك ناجح قوى، ويوم ما أعداءك يخلصوا تعرف إنك خلاص فشلت ووقعت، وها تلاقى الناس يعاملوك على إنك مسكين وغلبان وتستحق العطف!

ويبدو أن الشيخ "الطبلاوى" كان أكثر إيمانًا من صديقه بتلك الحكمة التى قالتها تلك الأم الصعيدية: كثرة أعدائك دليل نجاحك، فقد ظل طيلة حياته على قناعة بها، ويقيس نجاحاته بعدد أعاديه وحساده!

(1)

كان الشيخ الطبلاوى على يقين أنه يمتلك هبة إلهية ومنحة ربانية وجوهرة صوتية، كان شيخه الأول فى كُتاب "ميت عقبة" أول من دله عليها وشهد له بها، فقد كان من عادة الشيخ "غنيم عبده الزهوى" أن يعقد مجلسًا لتلاميذه يوم الخميس ليختبرهم ويقف على مدى استيعابهم لما حفظوه طيلة الأسبوع، وينتقى من بينهم عددا من النجباء يطلب من كل واحد فيهم أن يقرأ عليه لخمس دقائق، كانت كافية ليكتشف "الجواهر" المكنونة من بينهم، ولفت صوت الصبى الصغير محمد محمود الطبلاوى أسماعه، كان الصوت متفردا، يجمع القوة والحلاوة والرخامة والعذوبة،  وفيه موسيقى خفية تخطف أذن سامعه وتتسرب إلى قلبه فيقع فى أسرها وأسره.

وسرعان ما تحققت نبوءة شيخه، فذاع صيت الفتى ذو الصوت الرخيم والموسيقى الربانية الخلابة، وبدأ اسمه يتردد بقوة فى قرى الجيزة ومناسبات وجهائها، ثم راح يغزو مصر كلها، وهو الأمر الذى بدأ يسبب قلقًا لكبار المشايخ والمقرئين، فقد صار هذا الصبى الذى كانوا يمنحونه فرصًا صغيرة فى المحافل التى يقرأون فيها خطرا عليهم، بعدما راح الناس يطلبونه بالاسم ويزحفون وراءه ويتابعون أخباره بشغف.

ويؤكد الشيخ الطبلاوى أن تلك النجومية المبكرة خلقت له ملايين من المحبين والعشاق، لكنها صنعت له أيضا أعداء وناقمين، وهم الذين ـ حسب قناعته - تسببوا فى فشله المزمن طيلة عشر سنوات فى الحصول على الاعتماد الرسمى كمقرئ والوصول إلى ميكرفون الإذاعة.

لكنه أبدًا لم يفقد ثقته فى نفسه وموهبته والجوهرة التى فى حنجرته، فكان يتقدم لكل لجنة اختبار للمقرئين الجدد على امتداد عقد الستينيات كله (1960/1970)، ولم يكن أحد فى اللجنة يشكك فى إجادته لأحكام التلاوة، فقد درس لخمس سنوات فى معهد القراءات بالأزهر الشريف وأتقن القراءات السبع وحصل على إجازة رسمية.

 ولم يكن أحد يشكك كذلك فى صوته، فقد كان هناك إجماع على جماله وتفرده، ليس من أعضاء اللجنة وحدهم بل من الملايين التى كانت تتنافس على اقتناء أشرطة تسجيلاته القرآنية وعلى أن يُحيى مناسباتها، حتى أنه فى فترة كان "محجوزا" لشهرين متتاليين من فرط التقدير والإعجاب.

إنما السبب الرسمى الذى كان يسمعه فى كل مرة لتفسير رسوبه هو أنه لا يحسن التنغيم ويجهل المقامات الموسيقية، ولذلك فإنه رغم قراءته الصحيحة والمميزة يخطئ فى التنقل بين النغمات والمقامات، وأن عليه دراسة الموسيقى، وهو سبب كان الطبلاوى يراه مجرد حجة و"تلكيكة" لرفضه مقرئًا بالإذاعة بضغط وتحريض من الذين لا يريدون منافسًا لهم أمام الميكرفون ويخشون من وصول صوته لعموم مصر!

وظل الطبلاوى متشبثًا بوجهة نظره رافضًا أن يستجيب لطلب اللجنة بدراسة الموسيقى ومقاماتها، أو لنصيحة محبين من أهل الموسيقى كمحمود كامل ومدحت عاصم، ولنسمع إليه نفسه وهو يحكى: "قالوا لى يا شيخ طبلاوى لو تدرس موسيقى شويه ها تكون أحسن من كده، قلت لهم: لو درست موسيقى لن أكون الشيخ الطبلاوى، لأن موهبتى فطرية ربانية، وقد سمعنى الناس وتابعوا صوتى وأحبوه كما هو، فلماذا أدُخل عليه جديدا قد لا يحوز القبول، فالقبول من الله لا من الموسيقى والمقامات.. والقرآن نفسه موسيقى لا يحتاج إلى تلحين ولا تنغيم، فأنا أُسمع الناس وأُطربهم وأمتعهم بقراءة سليمة ومحكمة.. عايزين إيه أكتر من كده؟"

وبعد معركة طويلة وغريبة، نجح الطبلاوى فى نهايتها، وبعد عشر سنوات متصلة من الرفض، أن يصبح مقرئًا معتمدًا فى الإذاعة (عام 1970)، لكنه ظل على قناعاته بأن موسيقى القرآن تكفيه وليس فى حاجة لدراسة المزيكا، وكذلك بأن نجاحه وشعبيته هما السبب وراء حالة التربص به والكيد له، موقنا فى صحة حكمة الأم الصعيدية: كثرة أعدائك دليل نجاحك!

وكانت هذه الحكمة هى أول ما تبادر إلى ذهنه ليفسر بها (المطب) الذى واجهه  فى أول حفل له تنقله الإذاعة على الهواء، وكان فى مدينة المحلة الكبرى، وسط حضور جماهيرى حاشد جاء لسماع الطبلاوى، وفوجئ المقرئ الشاب بمقدم الحفل يختصر كلمته ومقدمته فى دقائق معدودات، وكان معنى هذا أن الطبلاوى مطلوب منه أن يقرأ لمدة ساعة وخمس دقائق متصلة، وهى مدة طويلة ومجهدة ولا بد أن صوته لن يتحملها، ومن ثم فإنه محكوم عليه بالفشل فى أول لقاء له مع جمهور الإذاعة العريض، لكن الطبلاوى قرر أن يتحدى ويواجه هذا "الفخ" المنصوب له، وساعده تجاوب الجمهور معه، ومع كل جواب كانت آهات الجمهور وصيحات استحسانه تستمر لدقائق، كان يلتقط فيها أنفاسه ليواصل القراءة بنفس الإجادة، ومر الوقت الطويل وصوته يتجلى وجمهوره ينتشى طربًا ونجا الطبلاوى من "الفخ" بجدارة!

ربما كان الموقف مجرد مصادفة خالصة وخاليًا من سوء النية، لكن الطبلاوى ظل على قناعاته الراسخة بأن هناك من يتربص به ويكيد له، وكلها علامات على نجاحه وتألقه وشعبيته وموهبته وتفرده.

  (2)

كان الطبلاوى يتمتع بروح مقاتل، وبكل صفاته من جسارة وصلابة وعناد ورفض لليأس وعدم الاستسلام، ويمكننا أن نكتفى بموقفين ندلل بهما على تلك الروح المقاتلة، أولهما يعود إلى العام 1969، الذى يعتبره الطبلاوى أصعب سنوات حياته وأقساها، فقد كان حينها فى عز نجوميته، وحدث أن ذهب للقراءة فى عزاء بروض الفرج، وأحس بتعب مفاجئ وبآلام غريبة لم يستطع تحملها فأنهى القراءة سريعًا ونقلوه إلى بيته، واحتار الأطباء فى تشخيص حالته ولم ينفع علاجهم ولا أدويتهم، وظل لمدة عام لا يبارح سريره، وبعزم لا يلين قرر أن يعالج نفسه، وداخله يقين بأنه يعانى من نظرة حسد هائلة، هى التى ضربته وأقعدته وتمكنت منه، فظل يلازم أدعية خاصة للإبراء من الحسد، وليقينه منها تحسنت حالته وتعافى وعاد صوته ليجلجل من جديد.

الموقف الثانى كان بعد ذلك بأحد عشر عاما، فبعد وفاة الشيخ مصطفى إسماعيل عام 1978 أصبح كرسيه شاغرًا كمقرئ للجامع الأزهر الشريف، وهو لقب يتمناه أى مقرئ، ورأى الطبلاوى (مقرئ مسجد الرفاعى حينها) أن تاريخه ومكانته تجعله الأحق بخلافة مصطفى إسماعيل، وأحس بالبشرى عندما جرى إبلاغه بأنه سيقرأ قرآن الجمعة التالية فى الجامع الأزهر، وعقب الصلاة وبعد أن أبدع فى التلاوة جاء من يدعوه لمجلس الشيخ صالح الجعفرى، الولى الصالح والعالم الورع، وكان مجلسه قريبًا من الأزهر، ولبى الدعوة فورًا وبلا تردد، وبعد أن أكرم الجعفرى ضيفه همس له: أنت هاتحضر كل جمعة هنا يا شيخ طبلاوى، واعتبرها "الطبلاوى" مجاملة عابرة ولم يفهم المعنى الذى قصده الولى الصالح، ورد مبتسمًا: تحصل لى البركة يا سيدنا، فأوضح له سيدنا: أنت هاتيجى بالأمر!

ولم تصل أيضا الاشارة إليه والبشارة، وحدث أن ذهب الطبلاوى بعدها للمشاركة فى سرادق عزاء لأحد وجهاء حى "الباطنية" جمعة بالمشايخ محمود خليل الحصرى وعبد الباسط عبد الصمد وأحمد الرزيقى، وكان الحصرى يومها شيخ عموم المقارئ المصرية، وفى غرفة جمعت المشايخ فوجئ الطبلاوى بشيخ المقارئ يهنئ الرزيقى بالقرار الذى صدر بتعيينه مقرئًا للجامع الأزهر، وفى اليوم التالى كان الطبلاوى فى مكاتب المسئولين بوزارة الأوقاف وبالأزهر الشريف، وخاض معركة شرسة نجح فى نهايتها بانتزاع لقب مقرئ الجامع الأزهر، وتذكر عندها بشارة الولى الصالح وفهمها: أنت إن شاء الله هاتيجى هنا بالأمر!

(3)

شغل الطبلاوى مناصب معتبرة كنقيب المقرئين، وحقق شهرة أسطورية فى العالم الإسلامى كله، وكانت مبيعات ألبوماته فى السبعينيات تنافس بل تتفوق على مشاهير المطربين، لكن ما تبقى منه هو هذا الصوت الفذ، وذلك الأداء المتفرد الذى جعل منه مدرسة خاصة بين سلاطين المقرئين فى مدرسة القرآن المصرية.

ولما سُئل الطبلاوى عن ما يميزه كمقرئ، فإنه عدّد أسبابًا وصفات يمكن أن نوجزها فى نقاط محددة:

الإتقان والإخلاص، فهو يلزم نفسه بواجب يومى مع المصحف، فبعد صلاة الفجر يقرأ خمسة أجزاء كاملة، بحيث ينتهى من مراجعة القرآن كله خلال أسبوع، إذ يبدأ فجر الجمعة ويختمه فجر الخميس التالى.

وبسبب هذا الإخلاص فإن الله ينعم عليه بنفحات، يدركها فى أثناء التلاوة، فيحس بالهامات وتجليات ربانية فى القراءة.

المزاج، فالقراءة عنده ليست وظيفة ولا أداء واجب، بل هى عمل إبداعى فى المقام الأول، وعندما يجد مزاجه منحرفًا فإنه يعتذر عن القراءة، أو على حد تعبيره: لا يمكن أقرأ وأنا مجهد أو"مقريف"!

احترام الصوت والمحافظة عليه.. فهو هبة من الله يجب صيانتها.. ولذلك "فأنا القارئ الوحيد الذى يرفض العمل فى ليلتين متتاليتين مهما كانت المغريات المادية، للحفاظ على المستوى المطلوب والإتقان اللازم" على حد وصفه.

الفهم والاستيعاب لكل كلمة وكل آية، "فعلى قارئ القرآن أن يصور كل آية بدقة، فعندما أقرأ "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا" فلا بد أن أقرأها وكأننى أجسم المعنى وأبرز الصورة وأوضح المشهد، وبأسلوب وطريقة تختلف عن الآية التى تليها وتخص المؤمنين.. "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا".. وهكذا كل آية لا بد أن تصور بالرتم الذى يناسب معانيها فيحسه المستمع، إن فهم القارئ الحقيقى لكلمات الله يجعل الكلمات تخرج من القلب فتعطى التأثير الدقيق الصادق.. ولذلك أعتبر نفسى من تلاميذ ومدرسة عم الشيخ رفعت وعاشقًا لصوته وأسلوبه، فهو صوت ندى يأتى من القلب ويشرح المعنى بسلاسة".. هكذا قال.

يميزنى أننى لم أقلد أحدًا من كبار مشايخنا.. حرصت منذ البداية على أن تكون لى شخصية وبصمة.. هكذا أعلن.

وفوق هذه الصفات والمزايا، فإن أهل التخصص من خبراء الأصوات والمقامات يضيفون المزيد: "خامة صوت الشيخ الطبلاوى مميزة.. وهو قارئ مجيد فى القرارات والجوابات.. ومساحته الصوتية ليست بالكبيرة أى أنها لا تصل أكثر من اوكتاف ونصف تقريبا.. ويمتاز صوت الشيخ الطبلاوى بأنه كثير العُرب والزخارف فالصوت فى حد ذاته ملئ بالعُرب بأنواعها.. كما أن الشيخ الطبلاوى لا يقرأ بأكثر من مقام فى النفس الواحد.. بمعنى أنه يقرأ كل جملة نغمية بمقام واحد فقط.. ثم بعد ذلك ينتقل إلى مقام آخر إن أراد.. كما لا يستخدم طريقة الطبقات الصوتية المتدرجة فى التلاوة.. فلا يتدرج من القرار إلى الجواب ولا العكس.. بل يؤدى القرار كاملا ثم ينتقل بعده إلى الجواب ثم بعد الانتهاء يعود للقرار وهكذا .

وأكثر المقامات التى ركز عليها الشيخ هى الرست والنهوند والسيكا وقرأ بغيرها، لكن جل اعتماده على المقامات المذكورة.. فكان يبتدئ بمقام البيات ثم ينتقل فورا إلى الصبا دون مرور بالبيات الشورى نغميا مقام له قرب من الصبا، ولا شك أن ثمة مقاما امتاز به الشيخ الطبلاوى وقرأه كثيرًا.. فلا يكاد يقرأ السيكا إلا ويأتى به وهو "مقام المايا " وهو نهوند يرتكز على السيكا، فالشيخ يأتى بالسيكا ثم يؤدى قليلا من النهوند ثم يقفل بالسيكا فينتج مقام المايا، وبذلك تكون خطة الشيخ النغمية هى البيات ثم الصبا ثم السيكا ثم النهوند".



 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

سقوط الثوابت: لماذا قد لا تكون دروس الماضي كافية للنجاح في أسواق 2026

رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...

كيفية الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج

الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!

تكريم مستحق من نقابة الصحفيين مها حافظ.. أم مثالية في يوم المرأة

كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...