أكبر دليلٍ على أن فن «القصة القصيرة» استطاع أن يُحقق معجزة أدبية كبرى، خلال السنوات الماضية، فقد استطاع هذا الفن أن يصنع طفرةً كبيرة فى بلادنا، فى مرحلة ما بعد «ثورة
أكبر دليلٍ على أن فن «القصة القصيرة» استطاع أن يُحقق معجزة أدبية كبرى، خلال السنوات الماضية، فقد استطاع هذا الفن أن يصنع طفرةً كبيرة فى بلادنا، فى مرحلة ما بعد «ثورة 25 يناير 2011»، من حيث كم التنوع والإدهاش التى يُطالعها المرء فى مجموعات ومتواليات قصصية، لعدد من كتاب القصة الشباب، على الرغم من أن هؤلاء الشباب تقريباً هم أكثر الكتاب فى مصر تهميشاً واستبعاداً، من الخريطتين الإعلامية والصحفية، على الرغم من أنهم الأجرأ على طرح القضايا والأشكال الأدبية، فهم تحرروا منذ مدة من قوالب وأكلاشيهات الرواية والمبيعات، تحرروا بمعنى أنهم باتوا أكثر قدرة على ممارسة التجريب على عوالمهم، وباتوا أكثر جرأة فى تناول ظواهر نفسية ومجتمعية، تجعل للأدب حيزاً إضافياً، يسمو على فكرة المتعة والاستمتاع باللغة.
أكبر دليل على أن كتاب القصة ـ سواء من تحولوا إلى الرواية أم لا ـ كانوا أسطوريين فى قدرتهم على الثبات على المبدأ، أنهم قومٌ يبدعون تجريباً وأسلوباً ومغامرة ـ لكن الشهرة والمجد والانتشار والجوائز، تذهب دائماً إلى هؤلاء الذين يكتبون نوعاً معيناً ومحدوداً من عناصر فن «الرواية»، أما النقاد الأكاديميون الكبار، كبار السن أقصد، الذين يوجهون الرسائل العلمية فى كبريات الجامعات المصرية، فهؤلاء لا يعرفون بكل أسف سوى الكتابة عن «زمن الرواية»، تلك العبارة التى يحاول أصحابها القصاص من الشعر الجديد، من ناحية، والانتقاص من قيمة النتاج الجديد والمبهر من القصة القصيرة، من ناحية أخرى، على الرغم من أن كل البشر الأسوياء فى الدنيا يعرفون قيمة الآداب الثلاثة، بحيث لا يمكن للمرء فى أى بقعة فى العالم الاستغناء عن أى منها، لأن الفنون دائماً ـ وكما هو معروف للكافة ـ تتكامل ولا تتنافر.
أحد أهم الأدلة على نهضة فن القصة فى مصر اليوم، كتاب بعنوان «خطط طويلة الأجل»، وهى مجموعة قصص صدرت مؤخراً عن دار العين للكاتب محمد فرج، الصحفى فى جريدة «أخبار الأدب»، وهى كتابه الأول، الذى ينم عن خبرة طويلة مع كتابة «القصة»، التى تتطلب من الكاتب القدرة على الحذف والمحو والاستبعاد، قبل أن يتمتع ـ أصلاً ـ بالقدرة على الكتابة، وهى السمة التى تستشعرها فى الكاتب، وكانت سبباً فى أن النصوص كلها تدور فى عوالم متقاربة، محورها شخص واحد معزول وضائع وسط عالم متوحش وغبى فى مدينة قديمة، وهو الشخص الذى اختاره الكاتب، وربما هو الكاتب نفسه، الذى يفقد نظارته فى القصة الأولى، فيمضى عاجزاً متخبطاً بطول قصص المجموعة.
خمس عشرة قصة، تعكس عدداً من مشاهد الاغتراب فى الوطن، مروية كلها بضمير «المتكلم» البائس، باستثناء قصة واحدة، يتبادل الأصوات فيها رجل وامرأة، إلا أن المجموعة كلها تكشف عن ذات غير منتمية، أو بالأحرى غير منسجمة مع محيطها، ذات وديعة لكنها فاشلة، لذلك هى منسحبة من العالم، الذى لا تستطيع أن تتفهم قسوته وعنفه، ففى القصة الأولى «أثر المنديل»، وبغض النظر عن ضياع «النظارة»، بكل دلالات ذلك على فقدان القدرة على الرؤية، هناك فى القصة نفسها محاولة انتحار فاشلة أيضاً، كما أن واحدة من قصص المجموعة تحكى عن فشل البطل فى تغيير اسم ابنه فى شهادة الميلاد، لأسباب عبثية جداً، وهو بطل عاجز بطول قصص المجموعة، لا يستطيع أن يحمى نفسه، أو يحمى من معه، تصادفه فى الصباح تائهاً «من أثر الشرب ليلة أمس»، وهى سمة تمتع بها عدد من أبطال المجموعة، كما أنه يقول فى أول سطور قصة «ترتيباتٌ للمشهد النهائى» هذه العبارة: «لم يكن يومى لطيفاً بأى حال، أخبرنى رئيسى فى العمل بأنى فاشلٌ».
الذات فى هذه المجموعة تعيد صياغة عالمها من جديد أثناء الكتابة، وهى تدعو القارئ إلى إعادة صياغة علاقته بالعالم أيضاً، وإلى تصحيح بعض المفاهيم، بالتعرف على هذه الذات الهاربة دوماً من شىء ما، المعذبة بالأحلام والكوابيس والهواجس، ذات مستسلمة تحتوى على عدد لا نهائى من الضحايا، لكنها رغم ذلك ذات طائشة، أو مدفوعة إلى الطيش، البطل غالباً عاطل عن العمل منذ مدة، ومنذ حدث ذلك لم يعد مقبلاً على فكرة الخروج إلى العالم، يقول: «فى الحقيقة لم أعد أخرج كثيراً منذ أن تركت العمل، لم أشعر أن هناك ما يدعو للتجول فى المدينة، اكتفيتُ بالمشاوير الضرورية، ورحتُ أتحرك فقط على قدمى، فى دائرة مركزها بيتى».
توفر الزاوية التى كتب منها محمد فرج قصصه، قدرة على رؤية العالم بعين مختلفة، البطل ليس لديه قدرة على التصرف حيال كثير من أمور حياته، لذلك هو ليس بطلاً أسطورياً ولا يحزنون، هو شخص عادى، ليس فيه من صفات البطولة شىء، فرد بسيط يكمن فى كل واحد فينا بطريقة أو بأخرى، وأنت لا يمكن إلا أن تتعاطف مع ضعفه ومخاوفه وآلامه، مع طيشه وجنونه، مع انسحابه وحيرته وقدرته ـ رغم ذلك ـ على صناعة الدهشة، جراء هذه الذات السليبة، التى تتعرض لكل الضغوط والكوابيس والفخاخ فى هذا العالم، إلا أنها لا تزال قادرة على رصده وكتابته، بجرأة قل أن تصادفها اليوم فى عمل روائى. ما أريد أن أقوله أن ما يجمع هذه المتتالية القصصية ـ إذا صح التعبير ـ هو تلك المجموعة المتقاربة جداً من الهموم التي يعيشها البطل، والمكتوبة بهذه الروح الساخرة التي تشعر دائماً بالسأم، وهي تلك التي يكتب بها محمد قصصه، بروح روائية متوثبة للعمل الروائي الأول، وأنا ممن يعتقدون في أن كتابة القصة على ذلك النحو تفضي مباشرة إلى كتابة الرواية، إن كان الكاتب ممن يريدون أن يحفروا نماذجهم البشرية في ذلك الجدار السميك الذي يسمى «الرواية»، لأنه سيظل على الهامش ككاتب، وسوف تظل نماذجه على الهامش أيضاً، ما داموا محبوسين ـ هكذا ـ في ثوب القصة القصيرة، ذلك الفن الذي أهملته كل الأطراف ـ بكل أسف ـ لصالح فن الرواية.
يعمل محمد فرج صحفياً في جريدة «أخبار الأدب»، وله تجربة صحفية متميزة، قبل ثورة 25 يناير وبعدها، كما عمل مراسلاً لعدد من الصحف العربية والأجنبية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحوّل تحميل تطبيقات الترفيه على أندرويد بصيغة APK مباشرة من ممارسة تقنية متخصصة إلى عادة يومية لملايين المستخدمين الناطقين بالعربية.
أصدر مركز الدراسات الشرقية التابع جامعة القاهرة كتاباً بعنوان " إسرائيل على مفترق طرق.. أزمة الدولة ومستقبل البقاء " للدكتور...
في عز حر الميدان الكبير، وبينما محلات العصير الكثيرة نفسها تكتظ بطوابير المنتظرين في الظهيرة
فاروق حسنى ومحمد صبحى وخربوش أبرز الفائزين جائزة النيل للمبدعين العرب ذهبت للشاعر العراقى على جعفر العلاق التقديرية تذهب إلى...