«كتاب النميمة» يُعيد «حكيم عصره» إلى الواجهة

أعادتنى قراءة الأعمال الكاملة للكاتب الكبير الراحل سليمان فياض (1929/ 2015)، الصادرة مؤخراً فى مناسبة الذكرى التسعين لميلاده، إلى الوراء عشرة أعوام تقريباً، إلى تلك

أعادتنى قراءة الأعمال الكاملة للكاتب الكبير الراحل سليمان فياض (1929/ 2015)، الصادرة مؤخراً فى مناسبة الذكرى التسعين لميلاده، إلى الوراء عشرة أعوام تقريباً، إلى تلك اللحظة التى التقيت فيها واحداً من الآباء الطبيعيين للقصة والرواية العربية، وواحدا من الآباء المؤسسين للصحافة المصرية أيضاً، إنه سليمان فياض، الرجل الطيب الذى زرته فى بيته، عام 2010، لأجرى معه حواراً فى مناسبة صدور روايته «أيام مجاور» عن دار الهلال، فإذا بى أكتشف أننى أمام واحد من أهم كتاب جيل الستينيات، وأكثرهم جرأة وشجاعةً وحرفية، وأكثرهم موهبة ومحبة للموهوبين فى كل الأجيال.

ساعتها، كان الروائى الكبير يجلس فى البيت وحيداً، إلا من الكلمات، مقلباً ثمانين عاماً بين أصابعهِ، يومها قال إن نصفَه الأسفل قد سقط منه فى معركة طويلة مع الدنيا، لكنه رغم ذلك قال بكل جسارة: «لو عدتُ إلى صباى سأختار أن أكون سليمان فياض».

يومها كانت الإرادة الحديدية للرجل الذى تجاوز الثمانين عاماً، وراء تصميمه على أن يصنعَ لى مشروباً دافئاً بيديه اللتين كانتا منهكتين تحت ثقل ما سطرته من حكايات، يومها حكى لى قصة عناده مع الدنيا بروح وثابة اعتادت الطيران إلى البعيد، فيما تردد صوته الذى شرخته الشيخوخة بين جدران شقة ترى النيل فى «المنيل»، منذ سكنها قبل 45 عاماً، قلت له: أنت رجل يُجاهد كى لا يفوته القطار، فضحك بصوت صبيانيّ ورثه عن أجداده الفلاحين فى «السنبلاوين» قبل أن يقول: «حتى القطار لم يعد قادراً على انتظار رجل تجاوز الثمانين عاماً دون أن يتذمَّر».

يومها كان أهم ما قاله لى إن أحداث روايته ـ التى انقسم حولها النقاد ولايزالون إلى اليوم ـ «أصوات» وقعت فعلياً فى قرية «الشعراء»، بلد الشاعر فاروق شوشة وتحديداً سنة 1948، حينما عاد أحد أبناء القرية بزوجته الفرنسية، فتجاسرت جماعة من النساء العجوزات إلى ختانها، بطريقة قاسية، أدت إلى موتها بين الأيادى العابثة والكارهة لكل ما هو غربى.

تذكرت كل ذلك وأكثر، بينما كنت أتشمم أوراق الطبعة الجديدة من أعمال الكاتب والروائى المصرى الكبير الراحل سليمان فياض (1929 ـ 2015)، الصادرة عن دار «ميريت للنشر»، فى عدة مجلدات، بما تتضمنه من مجموعات قصصية ـ مثل «القرين»، و«الشرنقة»، و«الطائف مدينة جميلة» و«عطشان يا صبايا»، و«أحزان حزيران»، و«الذئبة»، و«ذات العيون العسلية» وروائية مثل روايته الأشهر «أصوات» وروايته «أيام مجاور»، وكتابه اللافت «الوجه الآخر للتاريخ الإسلامي»، أقول بصدور هذه الأعمال مؤخراً، يكون الكاتب الكبير قد حصل على جزء ضئيل من حقه فى التكريم، بوصفه قيمة أدبية كبرى، رحلت عن عالمنا قبل أربعة أعوام، لكنها لا تزال قادرة ـ بتراثها القصصى والفكرى  على إثارة الدهشة، فى الأجيال الجديدة، وأن تبادر دار نشر خاصة بنشر هذا التراث، على الرغم من أنه بحكم الدور، كانت «الهيئة المصرية العامة للكتاب» أولى بأن تقوم بتكريم سليمان فياض، وأولى بأن تعيد هى طباعة أعماله الكاملة، لأن سليمان فياض ليس أقل من كل هؤلاء الذين طبعوا أعمالهم الكاملة فى هذه الهيئة، وهم لا يزالون أحياء يُرزقون.

لكن يبدو أن أخطر ما فى أعمال الرجل، الذى كان كان يقال عنه «حكيم عصره»، يبدو بين سطور «كتاب النميمة» درة أعمال سليمان فياض التى لا مثيل لها بين كتب الصور القلمية «البورتريهات» التى كتبها أبناء جيله، فقد قدمها بلغة أدبية وبنية حكى درامية، وقدرة هائلة على الوصف، تجعلها ترقى إلى مرتبة الرواية فى الأدب الحديث، تلك الرواية التى تدعى أن كل فضيلتها أنها تتخذ أشكالاً وصوراً شتى لرواية القصة، وهو بالضبط ما فعله سليمان فياض باقتدار فى «كتاب النميمة».

وعلى الرغم من أن روايته «أصوات» لفتت إليها الأنظار منذ نشرها لأول مرة عام 1972، إلا أنه من الأرجح أن «كتاب النميمة» سيكون الأكثر إثارة للجدل بين المثقفين ـ هذه الطبعة المكتملة لأول مرة تأتى فى 458 صفحة، ضمت كتابى «نبلاء وأوباش» و«المساكين»، بالإضافة إلى 9 صور قلمية ـ نظراً إلى أنه يعيد اكتشاف وجوه من أبرز رموز الثقافة المصرية ويقدمها لنا بصورة صادمة بعض الشيء، وبينها وجوه لاتزال حية وفاعلة فى المشهدين الثقافى والسياسى فى مصر، حيث يروى وقائع مُخزية عرفها مطبخ الصحافة المصرية فى النصف الثانى من القرن العشرين، عن الصحفية التى أسماها «لوليتا»، والتى يكتب لها الآخرون مقالاتها التى توقعها باسمها كل أسبوع، وعن الصحفى «التمرجي»  النسخة الأصلية لنموذج التمرجى لا تزال حية ترزق ـ الذى اعتاد أن يقضى طلبات البيت للمسئولين عن الصحف التى يعمل بها، ليرتقى فى سلم المناصب داخل المؤسسة الصحفية، إلى الدرجات التى يستحقها الخدم.

لقد كان سليمان، بحكم كونه مقيم وسط القاهرة، صديقاً لعدة أجيال فى الثقافة المصرية، تعامل عن قرب مع ألمع الأسماء فى تاريخ الأدب المصرى الحديث، من يوسف إدريس إلى أمل دنقل وعبدالمعطى حجازى وصلاح عبدالصبور وفاروق شوشة، وقد روى سليمان فى هذا الكتاب حكاية الكلمة التى قتلت صلاح عبدالصبور، وهى كلمة خرجت من فم أحد أشهر رسامى الكاريكاتير، خلال سهرة حافلة مع صلاح، وقد كانت تحمل اتهاماً لصلاح وقتها بـ"التخلى عن القضية» بعد الموافقة على مشاركة إسرائيل فى دورة معرض القاهرة الدولى للكتاب، ساعتها كان عبدالصبور رئيساً للهيئة المصرية العامة للكتاب.

لقد ذكر «كتاب النميمة» وقائع مبهرة ومثيرة للجدل، كان الكاتب من شهودها اليقظين، وهى وقائع حدثت خلال العقود الخمسة الماضية، بعضها لا يزال يتكرر إلى اليوم، لأن كثيراً من أسبابها لايزال قائماً، ولقد كتبها مستخدماَ أسماء رمزية أحياناً، ووهمية فى أحيان أخرى، ليحكى قصص أبطال حقيقيين، متجنباً سوءات تلك النميمة الشخصية «الفضائحية» المرذولة، موجهاً سهامه صوب الـ"نموذج الإنساني»، الذى لا يتوقف المجتمع عن إفرازه بكل تناقضاته.

الكتاب ـ فوق ذلك ـ هو كتاب سيرة ذاتية بامتياز، سوف تصادف فيه وجهاً غير مألوف لشخصية الإخوانى سيد قطب، ووجهاً غير متوقع لشخصية الروائى المحامى عادل كامل، صاحب رواية «مليم الأكبر»، سوف تلتقى فى سطور هذا الكتاب ما لا يمكن أن تتوقعه من أدباء الجيل الماضى، ستصادف يوسف إدريس لاهثاً وراء الشهرة، ستتعرف إلى الكاتب الأردنى غالب هلسا بسهولة، بوصفه «المغترب الأبدي»، ستتعرف إلى تجارب صحفية مهمة فى بلاط صاحبة الجلالة، حيث عمل فياض فى «المطبخ» دائماً، سترى الكثير منها يدور فى جريدة الجمهورية، ستسمع عن واقعة نشر «أولاد حارتنا»، فى دار الآداب البيروتية بعد منعها فى مصر، سترى أمل دنقل وهو لايزال معجباً بقصائد أحمد عبدالمعطى حجازى، حيث كان أمل لايزال يخطو إلى صوته الشعرى، ولم يكن قد كتب نصاً كبيراً بعد، بينما يجلس مشاغباً فى المشارب، ساهراً ليله يقرأ الصحف ويحل «الكلمات المتقاطعة».

إن أكبر دليل على موهبة فياض الكبيرة، أنه لم يكن يعتمد على سياسة الرياء والمدح المبالغ فيهما للكتاب الكبار، بل كان حريصاً طوال حياته على أن يتخذ مسافة محددة من الأدباء النجوم، وقد كان نجيب محفوظ نجماً روائياً فى الستينيات، حينما التقى به سليمان فياض ووقع بينهما موقف مثير، يقول فياض إنه فى البداية كان يتردد على الندوة التى كان يجمع فيها محفوظ محبيه، وذات مرة كتب فياض نقداً شديداً ولاذعاً فى إحدى روايات «أديب نوبل»، فقرأه محفوظ منشوراً على صفحات المجلة، بينما كان يجلس سليمان أمامه فى المقهى، حيث غضب محفوظ جداً، وتخلى عن دبلوماسيته قائلاً لسليمان: «أنت قليل الأدب».

لقد حوَّل فياض، فى هذا الكتاب، حياته العملية إلى رواية مثيرة للشجن بكل المقاييس، رواية لا تخلو من التاريخ ولا تتعالى على الهامش، حيث عمل فياض فى بداية حياته مدرساً للغة العربية، إذ تخرج فى كلية اللغة العربية «جامعة الأزهر» عام 1956، لكن سرعان ما قادته مواهبه إلى العمل فى الصحافة المصرية، التى كان يجيد كتابتها فعمل محرراً وكاتباً ومراجعاً فى عدة مجلات منها «الإذاعة والتليفزيون» و«البوليس» و«الشهر»، كما عمل محرراً وكاتباً لصحيفة الجمهورية 1960، وعمل نائب رئيس تحرير مجلة «إبداع» بين أعوام (1983-1993)، بالإضافة إلى عمله مراسلاً أدبياً لمجلة «الآداب» البيروتية فى القاهرة، (1972-1973).


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

ESL Pro League CS2: أفضل الفرق وآخر النتائج لحظة بلحظة بلايستيش 4

الموسمان الأخيران — الثاني والعشرون في أكتوبر 2025، والثالث والعشرون في مارس 2026 — قدّما مشهداً استثنائياً غيّر بعض التوقعات...

eSIM في مصر 2026: كيف توفر تكلفة الاتصال أثناء السفر بدل الشرائح التقليدية

صار البحث عن « esim مصر » أو «eSIM Egypt» جزءًا معتادًا من التحضير للسفر، بعدما تحوّل الإنفاق على الاتصال...

اقوى عروض وتخفيضات في مصر من أشهر المتاجر

تتيح لك عروض وتخفيضات في مصر شراء كافة احتياجاتك بأقل تكلفة ممكنة، نوضّح لك هنا كيفية الاستفادة من خصومات ديفاكتو...

لماذا تواصل القاهرة الجديدة جذب الباحثين عن السكن والاستثمار؟

تواصل القاهرة الجديدة ترسيخ مكانتها ضمن أبرز وجهات التوسع العمراني في شرق القاهرة، مدفوعة بتنوع المناطق السكنية وقربها من شبكة...