العرض المسرحى الذى يحمل هذا العنوان "نوح الحمام" يدعو إلى التساؤل فبل المشاهدة، فلابد أن نتوقف أمام العنوان، فهو دون شك كناية، إذ لا يقصد العرض المعنى المباشر بل معنى
العرض المسرحى الذى يحمل هذا العنوان "نوح الحمام" يدعو إلى التساؤل فبل المشاهدة، فلابد أن نتوقف أمام العنوان، فهو دون شك كناية، إذ لا يقصد العرض المعنى المباشر بل معنى آخر أعمق وأبعد، ولابد أن يفكر المشاهد فى هذا المعنى المباشر ودلالته فى العرض "نوح الحمامة" فى اللغة ما تبديه من سجعها على شكل النواح، والمناحة والنوح النساء يجتمعن للحزن وفى لسان العرب استناح الرجل أى بكى حتى استبكى غيره، والنساء النوائح لأن بعضهن يقابل بعضاً إذا نُحنَ، والرياح إذا اشتد هبوبها تناوحت.
ما أقصده من أصل الكلمة فى اللغة أن النواح فعل جماعى، ارتبط بطقس جماعى، كما أن المناحة متجذرة فى التراث المصرى، وجاء ذكرها فى التراث الشعبى كثيراً وفى التوراة مرات عديدة منسوبة للمصريين وأولها حين مات يعقوب بن إسحق فى مصر ناح المصريون عليه سبعين يوماً وحمل من أرض جاسان فى مصر إلى أرض كنعان ليدفن وخرج معه يوسف ابنه وجميع عبيد فرعون وشيوخ بيته وشيوخ أهل مصر، وعرف المكان باسم مناحة المصريين، ومرات عديدة أخرى ذكرت فيها المناحة، فإذا كان النواح فعلاً جماعياً، فهو أيضاً عادة مصرية أصيلة وفى هذا العرض ثلاثة أشكال من النواح المصرى أقرب إلى سجع الحمام تناوحت فى فضاء مسرحى حول شخصية منحها العرض اسماً لا يخلو من دلالة "وطنى" لا نراه ولا يظهر فى العرض من خلال حبكة تعتمد فى بنائها العميق على مرارة الهزيمة، والأسى والخوف والانتظار، انتظار الحبيب، العشيق، الابن وانتظار الثأر، الانتقام، هذه المشاعر التى تجسد النواح وتطرح بقوة فلسفة الموت وضعها المخرج فى فضاء قسمه إلى ثلاث منصات تواجه الجمهور، يمكن أن نطلق على الأولى المحبة والعشق، منصة الزوجة والأم والعشيقة وهى للنساء النوائح اللائى يجتمعن للحزن والنواح، والثانية منصة الثأر، وفيها سجع هو مزيج من الخوف والرغبة فى الانتقام، فيها "سلام" وصاحبه الأخرس، فيها الرجل الذى استناح أى بكى حتى استبكى غيره فجلس معه على الطريق يرافقه ويؤنس وحدته وهو أيضاً فضاء المجتمع / فضاء أهل القرية، سلام ينوح ويشفق عليه الرجل الأخرس، والثالث فضاء السلطة الضابط المعزول أو الفاشل واختار له المخرج حانة ولا يخلو الاختيار من دلالة أيضاً، فالجميع ينتظر وطنى صاحب الاسم الغامض والأفعال الأسطورية "الأسرة والمجتمع والسلطة" الفضاءات الثلاثة التى وضعها المخرج أقرب إلى المسرح الحميمى فى مواجهة المتفرج تعمل بطريقة المونتاج المتوازى، حيث تتناوح هذه الفضاءات كما يشتد هبوب الرياح حول شخصية وطنية اللغز وهو القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث دون أن يظهر، قوة خفية نتعرف عليه أو قل تتجلى شخصيته من خلال تناوح الفضاءات الثلاثة، حيث تتكامل الحكايات بين الأسرة والمجتمع والسلطة لترسم له صورة تحمل سمات البطل الشعبى الأقرب إلى الأسطورة التى تنسج حولها الجماعة حكايات مزيج بين الواقعى والمتخيل بعضها منسوب إليه دون أن يفعله، بالإضافة إلى الصفات التقليدية مثل الشجاعة وعشق النساء والقدرات الجنسية الخارقة والجانب الإنسانى النموذجى! حيث يعطى لنا النص أمثلة تتناقلها المنصات الثلاثة، ففى المنصة الأولى غرامياته مع صافية العمة الكبرى التى أحرقت نفسها ثم صفية ابنة أخيها الحاضرة فى العرض من خلال حكايات لا تخلو من الخيال وتؤكد صفات البطل الشعبى من خلال لغة عارية تستعير لغة الجنس من الحكايات الشعبية وترسم له صوة زئر النساء، وفى فضاء السلطة كيف أطلق الرصاص على ضابط الشرطة وكان على بعد خطوات منه ثم عبر فوقه كأنه لم يفعل شيئاً قاصداً بيته، نام مع زوجته وفى الصباح كان الضابط غارقاً فى دمه، حمله وألقى به على باب المستشفى، والمبالغة واضحة بما يتناسب والبطل الشعبى، أيضاً كيف قتل محمد شقيق سلام بعد أن استولى على سلاحه وكأنه بطل خارق للعادة، وحكايات الأطفال عنه "خلف البارمان" ليجد المشاهد نفسه فى هذا البناء الصلب من عمارة الكلام العارى من كل زينة أو بلاغة أمام شىء حقيقى كالواقع وليس أمام شىء خيالى أو تجريدى، بعد أن تم تجسيد المنصات أو الفضاءات الثلاثة بأقرب صورة لها فى الحقيقة، لأن ما سوف يحدث بعد ذلك إعادة تمثيل الواقع وتصويره حيث جسد فادى فوكيه مهندس الديكور تفاصيل الواقع وكأنك تعيش فى هذه القرية مسرح الأحداث، الأول غرفة معيشة ريفية، مرآة للزينة وأريكتان وملابس الزوجة وجرة وطشت غسيل، وفى منصة سلام طالب الثأر يجلس أمام بيت وأمامه صفيحة بها أدوات الشاى وزير به ماء وخلف البيت كأنه حقيقة، النافذة والباب، كل شىء واقعى وفى الحانة التى هى فضاء ضابط الشرطة جسد باراً حقيقياً ربما أكثر حداثة من حانات القرى!
ليقدم المؤلف المخرج نموذجاً لأسلوب الإخراج الواقعى بكل الأعراف والتقاليد لهذا النوع وعلى رأسها إخفاء الصنعة فى إعداد العمل للعرض وإلغاء كل ما يمكن أن يبرز المسرحة، فنحن أمام ثلاثة مناظر وكأننا فى قرية، البيت / الشارع / حانة على أطراف القرية، على الرغم من أنه ليس هناك إشارة للزمان أو المكان إلا من خلال إشارات خافتة، الضابط يحكى أن البحث عن وطنى فى سوهاج وأسيوط والأقصر وهذا يدل على أن الأحداث ربما تدور فى قنا! ويقول الضابط فى إشارة للزمن قالوا لهم "يحسنوا علاقتهم بالناس" ومن المفترض أن يشير إلى ما بعد 2011، بالإضافة إلى اللهجة المعتمدة فى أقصى الصعيد، لتتحرك الشخصيات فى هذه العمارة الواقعية ليس فقط من خلال مفردات الديكور والملابس لكن اللهجة أيضاً وتعيش بمعزل عن الجمهور وهذا من سمات الواقعية فى الأداء، حيث أعطى ديكور فادى فوكيه جواً حقيقياً للحكاية وساعد الشخصيات على أن يعيش كل منهم دوره ويتمقص الشخصية ويقول الحوار وكأنه يرتجله ارتجالاً لا يحفظه كممثل وهذا ما يسميه ستانسلافسكى معايشة الدور من خلال الجو العام الذى تفرضه عناصر المشهد المسرحى، من الإكسسوار والديكور والملابس واللهجة المحلية المحضة، وامتد الديكور (هذه الأجواء) الواقعى إلى مساحة الجمهور وليس فقط حيز اللعب.
حكاية وطنى تجسد وترسخ أعراف وتقاليد بقعة من الصعيد المصرى ليس فقط من خلال طرح هذه الشخصية ولكن من خلال تفاصيل الحياة اليومية من عادات وتقاليد راسخة، حيث طالب الثأر "سلام" الذى يقاطع الحياة لا ينام فى فراشه ولا يمس زوجته، يهجر أسرته بل الحياة كلها ويقيم فى العراء طلباً للثأر، وأيضاً حكايات العشق الطبيعية، العارية من كل زينة مستخدماً لهجة محلية هى من سمات الواقعية وتأكيداً لهذه العادات والتقاليد تضمن العرض ثلاث أمثولات، كل أمثولة تخرج من فضاء وكلها حول الموت والقضاء والقدر وأن الإنسان عاجز ومحدود العقل ولا حيلة له، وكل أمثولة انعكاس لنواح كل فضاء، ففى فضاء البيت حيث الأم تحكى عن امرأة مات ابنها بعد زفافه بأيام، بكت ورفضت دفنه، فاخذها العالم الشيخ ودار معها على بيوت القرية وسأل كل من فتح له عن موتاه ولما سمعت الأمم قصصاً أكثر قسوة من مصابها دفنت الابن، ربما تؤهل هذه الأمثولة لقضاء ابنها المحتوم، ويحكى سلام طالب الثأر، الخائف من وطنى أحياناً الذى تنتابه مشاعر متناقضة، فتكون الأمثولة عن رجل قبل موته أوصى أبناءه الثلاثة بأن يحرقوا جثته ويوزعوها فى أنحاء متفرقة، فأمر الله الملائكة فأعادت هذه الأجزاء وسأله الله لماذا؟ فقال ذنوبى كثيرة وأنا خائف منك فغفر له وأدخله الجنة، فهل كان سلام يمهد الطريق للانسحاب ويسامح وطنى الذى قتل عمه وأخاه، هل كان يبرر لنفسه ما يخجل أن يصرح به وهو الرغبة يترك هذه المهمة، الثأر، فالله يسامح، ألا يسامح هو؟ والمنصة الثالثة أمثولة الرضيع والملك وأيضاً تدعو إلى التسليم بالقضاء والقدر وأن عقل الإنسان محدود.. وينتهى العرض بأمثولة عن الظلام والنور، والأمثولات الثلاث الأولى تدور حول الموت وعجز الإنسان، فثمة جدل حول الموت والخوف والهروب، والانتظار، مجموعة من المشاعر غير واضحة، سلام يوحى أنه خائف من وطنى، لكنه شجاع قاطع الحياة وانتظر على قارعة الطريق طالباً للثأر، الضابط يبدو فى أحيان أنه خائف لكنه ليس كذلك تماماً، ووطنى غائب أو قل هارب من بيته من الحياة، حتماً إنه خائف أيضاً، قتل وعشق وغامر لكنه فى النهاية هارب، فلا يستطيع المشاهد أن يجزم بمن الخائف، ولا يعرف من يخاف مِن مَن؟ الجميع خائفون، هذه المشاعر تتسق أيضاً وأسلوب الواقعية التى ظهرت فى مراقبة التصرف الإنسانى والتركيز على البعد النفسى لدى الشخصيات وتبرير أفعالها ومصداقية الموضوع وهذا ما يحاول العرض تقديمه من خلال محاكاة الطبيعة بكل تجلياتها وذلك بنقل معالمها بدقة أقرب إلى شكل التوجه العلمى ليس فقط على مستوى المفردات الملموسة ولكن البناء النفسى للشخصيات، فنحن نشاهد مكنون الشخصيات السبع من خلال السرد أو قُل النواح، ولكن المفارقة الكبرى فى الواقعية أو هذا النوع من المسرح أنها برغم هذه المحاكاة المتقنة لا تستطيع أن تكون انعكاساً للواقع، إنما صارت شكلاً جامداً يتجاهل حركة التاريخ والتأثير المتبادل بين الإنسان والمجتمع، فالشخصيات السبع هنا بمعزل عن المجتمع تدور فى فلك عالم خاص لا يطرح الأسئلة بقدر محاولته أن يحاكى الواقع ويجتهد فى تجسيده كما هو، فالعرض يمثل قطعة من الواقع دون حبكة درامية تتصاعد بل نحن نعرف كل شىء من البداية، فقط نشاهد صراع المشاعر المتناقضة على شكل نواح فى ثلاث بكائيات لا تطرح تساؤلات ولا تناقش اللحظة الراهنة لكنها تقدمها أو تحاول تقديم لوحة من الواقع، يتساءل من خلالها المشاهد عن مبررات الوجود.
يبدأ العرض بموسيقى أحمد حمدى رءوف بجملة سوف تتردد فى العرض "ليه بتنوح يا حمام" تورط المشاهد ليس فقط فى حالة موسيقية أقرب إلى نوح الحمام بل فى هذا التساؤل المباشر مع إضاءة عمرو عبدالله التى حملت المشاهد فى اللحظات الأولى إلى زمن الحدث بكل غموضه، ولايمكن إغفال دور فريق الممثلين الذى عاش هذه الأجواء وتدرب مع المخرج على الأداء الطبيعى الذى يؤكد للمشاهد أننا ليس فى عمل مسرحى بل نحن نعيش ونتكلم فى الواقع وهذا ليس سهلاً كل فى دوره، فكان الأداء وكأنهم يقيمون هنا فى الفضاء / القرية، نجيبة الأم "سوسن ربيع" مع العشيقة "إيناس المصري" والزوجة "نشوى حسن" ثلاث نساء يجسدن مشاعر متباينة، الأم التى تمزج بين القسوة والطيبة، والزوجة الضعيفة العاشقة والعشيقة الشهوانية التى لا يخلو عشقها من سذاجة القروية، وفى المنصة الثانية سلام "أكرم مصطفى" والأخرس "أحمد مجد الدين" الأول المنتقم الخائف والثانى الفيلسوف الصامت أو قل العاجز عن الكلام، وفى الفضاء الأخير الضابط "ياسر عزت" والبارمان "إبراهيم البيه" وعلاقة عميقة ومعقدة بين الشعب والحكومة، علاقة ترواحت بين الندية والخوف والعناد. ليجسد العرض فى النهاية لوحة من الواقع بكل مفرداته، لوحة أقرب إلى الطبيعية لم يتعمد فيها طرح الأسئلة بل كان كل شىء واضحاً، لكنه ترك المشاهد فى حيرة وتساؤلات لا حصر لها حول الإنسان الخائف من الموت والحياة من خلال حبكة اعتمدت فى بنائها العميق على المشاعر وليست الأحداث أو الأفعال.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...
جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية
تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...
جار النبى الحلو، اسم له خصوصية شديدة، فهو ليس مجرد روائى كبير، لكنه يمثل كثيرا من المعانى والدلالات، التى تستشفها...