تراجيديا إيرانية: جوثام تمنح بناهي ثلاث جوائز وطهران سنة من الحبس

د. محمد عمر سيف الدين .. كاتب وباحث في السينما الإيرانية

كما عوَّد المخرج الإيراني المعروف عشاقه في كل مكان على مفاجآت مدوية، اقتنص "جعفر بَناهي" عن آخر أفلامه "حادثة بسيطة: يک تصادف ساده" It Was Just an Accident ثلاث جوائز كبرى من "جوثام" The Gotham Awards؛ وهي جائزة أفضل فيلم أجنبي، وأفضل سيناريو أصلي، وأفضل مخرج.

 

كان حفل الدورة الخامسة والثلاثين من "جوائز جوثام" قد أُقيم مساء الثلاثاء 2 ديسمبر 2025 بقاعة "سيبرياني وول ستريت" Cipriani Wall Street في مدينة نيويورك الأمريكية، بحضور عدد كبير من نجوم السينما الهووليودية والعالمية، واستطاع الأمريكي "بول توماس أندرسون" Paul Thomas Anderson أن يحصد جائزة جوثام الكبرى (أفضل فيلم) عن تحفته الملحمية "معركة تلو أخرى"  One Battle After Another من تأليفه وإخراجه وإنتاجه، وبطولة مجموعة كبيرة من كبار النجوم؛ يتقدمهم ليوناردو دي كابريو Leonardo DiCaprio، شون بن Sean Penn، بينيشيو ديل تورو Benicio del Toro، وآخرون.

تعد جوائز جوثام برنامحًا يتبع "معهد جوثام للسينما والإعلام" The Gotham Film & Media Institute، المعروف اختصارًا باسم "جوثام"؛ وهو أكبر منظمة غير ربحية قائمة على العضوية ومكرسة للسينما المستقلة. تأسست هذه المنظمة عام 1979 على يد صانعي أفلام مستقلين تحت اسم "مشروع صانعي الأفلام المستقلين" The Independent Filmmaker Project (IFP)، وفي يناير 2021 تغير الاسم إلى "معهد جوثام للسينما والإعلام".

يقدم المعهد برامج تساعد صانعي الأفلام المستقلين حول العالم على التواصل مع صناع السينما المحترفين، ويمنح جوائزه إلى السينمائيين المميزين في حفل ضخم يُقام في نهايات كل عام.

حادثة بناهي البسيطة

كان فيلم "حادثة بسيطة" قد حصل على جائزة "السعفة الذهبية" كأفضل فيلم من "مهرجان كان السينمائي الدولي" خلال نسخته الثامنة والسبعين التي أُقيمت في الفترة من 13 حتى 24 مايو الماضي.

الفيلم من تأليف وإخراج "جعفر بناهي"، وإنتاجه بالاشتراك مع المنتج الفرنسي "فيليب مارتن" Philippe Martin، صاحب شركة "أفلام بيلياس" Les Films Pelléas، وبطولة كل من: وحيد مبصَّري (مباشري)، إبراهيم عزيزي، مجيد بناهي، مريم أفشاري، حديث باك باطن.

الفيلم صُوِّر في إيران دون الحصول على تصريح من الرقابة، أو مراعاة قواعد الحجاب الإجباري الصارمة، لذا أضفى بناهي سريةً تامةً على مراحل إنتاج الفيلم وتصويره إلى أن تم مونتاجه في فرنسا وشهد عرضه الأول في مهرجان كان.

في سبتمبر الماضي، أعلن "المركز الوطني الفرنسي للسينما والرسوم المتحركة" (CNC) أن باريس اختارت "حادثة بسيطة"، باعتباره إنتاج شركة فرنسية، ممثلًا لها في الدورة الثامنة والتسعين من جوائز الأوسكار المزمع عقدها في منتصف مارس 2026.

ووفقًا لما صرح به رئيس اللجنة الوطنية الفرنسية "جايتان برويل" Gaëtan Bruel، فإن اختيار هذا الفيلم يؤكد أن فرنسا قلب الإنتاجات المشتركة الدولية النابض، وبلد مُرحِّب بالمبدعين من جميع أنحاء العالم خاصةً الممنوعين من العمل في بلدانهم.

المخرج الإيراني جعفر بناهي

تدور أحداث الفيلم حول "رجل (إبراهيم عزيزي)"، يقود سيارته ليلًا بصحبة زوجته الحامل وابنته الصغيرة عائدًا إلى بيته الريفي. يصطدم فجأة بكلب فيقتله. يتسبب الحادث في تلف محرك السيارة وتوقفها عن الحركة، مما يجعل الرجل يلجأ إلى ورشة تصليح سيارات قريبة من مكان الحادث يمتلكها "وحيد (وحيد مبصَّري)". وقع الطرف الصناعي على الأرض حين يدخل الرجل الورشة، يثير الريبة في صدر وحيد، ويذكِّره بضابط يُدعى "إقبال"، كان يتولى استجوابه والتنكيل به في السجن، وهو معصوب العينين.

في صبيحة اليوم التالي، يقتفي وحيد أثر الرجل ليعرف محل إقامته، ويثأر منه، فيقوم بتخديره وخطفه ونقله إلى الصحراء كي يدفنه حيًا. مع صراخ الرجل ونحيبه وقسمه بأنه فقد رجله العام الماضي فقط، ولم يعمل في السجن مطلقًا، يساور وحيد الشك حول هوية الرجل الحقيقية، فيُجرِي اتصالًا ببعض رفاقه السابقين في المعتقل السياسي حتى ينجلي له الأمر.

يلتقي وحيد بالعديد من الأشخاص؛ سالار بائع الكتب، وشيوا المُصوِّرة، وجولي وعليّ العروسين، وحميد رفيق شيوا السابق، وهو الشخص الوحيد بينهم الذي رأى وجه إقبال.

يستقل الجميع شاحنة وحيد، ويتجولون بها في شوارع طهران ليلًا ونهارًا، وهم يسعون إلى الانتقام من الرجل الذي عذبهم بلا رحمة في الماضي. خلال هذه الرحلة العجيبة يجدون أنفسهم في صراع داخلي وشك باعثه الوازع الأخلاقي حول هوية أسيرهم؛ فهل هو حقًا الضابط الذي أسقاهم ألوان العذاب والهوان، أم هو شخص بريء لا ذنب له، سيقدمون على قتله جورًا دون دليل بَيِّن؟

السينما الايرانية بناهي

القضاء الإيراني يقضي بحبس بناهي

بالتزامن مع تتويج المخرج الإيراني "جعفر بناهي" بجوائز جوثام الثلاثية؛ أفاد "مصطفى نيلي"، أحد محاميه بأن الشعبة (26) من محكمة الثورة في طهران حكمت غيابيًا على بناهي بالسجن لمدة عام، والمنع من السفر لمدة عامين، وحظر الانضمام إلى الجماعات السياسية والتجمعات الاجتماعية لمدة عامين، بتهمة النشاط الدعائي ضد النظام الإيراني. وفي هذا الصدد صرح محامي بناهي بأنه سيستأنف الحكم.

وقد جاء في حيثيات الحكم المذكور أن السيد بناهي كان ينشر طوال الحرب الإيرانية الإسرائيلية عبر صفحته الشخصية على تطبيق "إنستجرام" منشورات تتضمن دعم المدانين في قضايا أمنية، وتأييد أعمال الشغب (الاحتجاجات)، ومنشورات أخرى عن عجز (الجمهورية الإسلامية)، وصفَّها إلى جانب إسرائيل، والاعتراض على صدور أحكام إعدام وتنفيذها، وتشويه صورة الدولة الإيرانية.

تعليقًا على هذا الحكم، وبسؤاله عن عودته إلى إيران أو بقائه في الخارج؛ صرح بناهي خلال لقائه مع الموقع الأمريكي (شوبيز٤١١) Showbiz411، المعني بأخبار الفن والمشاهير، أنه لا يسعى إلى طلب اللجوء في أية دولة، وينوي الرجوع إلى طهران، ومُضِي فترة عقوبته بعد المشاركة في حفل الأوسكار القادم.

في سينما جعفر بناهي

يعد "جعفر بناهي" واحدًا من كبار المخرجين الإيرانيين المعروفين على النطاق الدولي، نال عن أفلامه العديد من الجوائز العالمية؛ كان من أبرزها جائزة "الكاميرا الذهبية" من مهرجان كان السينمائي الدولي عن فيلم " منطاد الأبيض: بادکنک سفید" عام ١٩٩٥، جائزة "الأسد الذهبي" من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عن فيلم "الدائرة" عام ٢٠٠٠، جائزة "الدب الذهبي" من مهرجان برلين السينمائي الدولي عن فيلم "تاكسي" عام ٢٠١٥، جائزة "أفضل سيناريو" من مهرجان كان عن فيلم "ثلاثة وجوه: سه رُخ" عام ٢٠١٨.

تولى بناهي رئاسة لجنة تحكيم العديد من المهرجانات العالمية؛ من بينها مهرجان روتردام السينمائي الدولي بهولندا عام ٢٠٠٨، ومهرجان مونتريال السينمائي الدولي بكندا عام ٢٠٠٩، هذا بالإضافة إلى عضويته في لجان تحكيم عدد من المهرجانات الأخرى.

المخرج الإيراني جعفر بناهي

ولد بناهي في مدينة "ميانة" بمحافظة "أذربيجان الشرقية" عام ١٩٦٠، وبدأ عمله في الحقل السينمائي كمساعد للمخرج الإيراني الراحل "عباس كيارُستَمي".

تنتمي أفلام جعفر بناهي إلى مدرسة "الواقعية الجديدة" في السينما، حيث يسلط الضوء من خلالها على قضايا المجتمع الإيراني ومشكلاته كالفقر، والبطالة، والظلم والجور، والاضطهاد، والقيود الفردية والجماعية، والفساد الحكومي، مما جعله ينضم إلى قائمة الفنانين المعارضين للنظام الحاكم، ووضع أعماله فوق سِنَّان الرقابة الإيرانية، تشجّ في جسدها، وتحول دون تصويرها أو عرضها داخل البلاد.

على خلفية أعماله التي تنتقد النظام الإيراني، أُلقي القبض على بناهي أكثر من مرة، ومُنع من الظهور الإعلامي والعمل والسفر خارج البلاد لمدة 20 عامًا.

في 11يوليو 2022، قُبض على بناهي وحُبس في سجن "إيفين (اِوین)" بتهمة "الاتصال بالقوى المناهضة للثورة الإسلامية والإخلال بالأمن النفسي للمجتمع"، وذلك بعد أن أصدر ما يقرب من 100 سينمائي إيراني يتزعمهم المخرج الإيراني "محمد رسولوف" –المقيم في ألمانيا حاليًا بعد فراره من البلاد– في 29 مايو بيانًا بعنوان "ألقِ سلاحك: تفنگت را زمین بگذار" في أعقاب انهيار جزء كبير من برجي "متروبول التوءم" قيد الإنشاء بمدينة عبادان الواقعة بمحافظة خوزستان في 23 مايو، مما أسفر عن وفاة 43 شخصًا وإصابة 37 آخرين، واندلاع مظاهرات حاشدة في مدن خوزستان المختلفة وسائر المدن الإيرانية، تطالب بمحاسبة المسؤولين عن انهيار المبنى؛ وهي مظاهرات قمعتها وحدة "القوات الخاصة" بعنفٍ شديدٍ.

بعد قضاء ما يقرب من سبعة أشهر في السجن، انتهت بالإضراب عن الطعام، أفرجت السلطات الإيرانية عن بناهي إفراجًا مؤقتًا بعد دفع كفالة مالية.

ما بين الإفراج المؤقت والاقتياد إلى السجن والمنع من العمل والسفر بسبب مناهضة النظام، لم يتوقف بناهي عن صناعة الأفلام داخل إيران، ولم تتوقف أعماله عن التحليق في سماء المهرجانات السينمائية الكبرى حول العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 	د. محمد عمر سيف الدين

د. محمد عمر سيف الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...