موسيقى المصريين.. بين القلعة والعلمين

بينما هطلت السماء بأخبار تغيير شكل وأفكار الثانوية العامة وموادها ومواعيد المدراس، وراح أباطرة الجيولوجيا وأسطوات الفرنسية والألمانية يندبون أحوالهم الجديدة، كانت لأهل الموسيقى قصة أخرى.

أنغام من جهتها أعلنت التوقيت الرسمى للموسم الجديد، حيث يبدأ من الرجل وينتهى إليه.. قواعد جديدة أكثر وضوحا من خطة وزير التعليم الجديد للتعامل مع النصف الآخر.. لم تأبه أنغام لأحوال الطقس فى أغسطس، وراحت تقدم لنا ألبوما "جنائزيا"، يخالف كل الأعراف التى تعودناها من أغنية الصيف، ليرى البعض أنه ألبوم شتوى بامتياز.

مدحت صالح التقط الإشارة من أنغام، إشارة بدء الصيف من ناحية وشارة عودة المطربين إلى زمن الألبومات الكاملة بعد عدة سنوات ساد فيها منطق "اليوتيوب" والمنصات الجديدة الذى يدعم ما سميناه الأغنية السنجل، من ناحية أخرى.

ولم يكن طبيعيا أن يبدأ صيف الغناء بدون حكاية جديدة لشيرين عبدالوهاب.. لكن الأهم من حكاياتها هو عودتها بأغنيتين جديدتين وأزمة جديدة لا نعلم إلى أين تنتهى.

هذا هو أهم ما فى موجز بداية الموسم الصيفى لموسيقى المصريين.. أما التفاصيل فهى بعد الفاصل على بعد سطور قادمة.

 من العلمين إلى القلعة.. الغناء مستمر

قبل أن ندخل إلى تفاصيل الألبومات الجديدة التى صدرت فى الأيام الأخيرة.. لا يمكننا مغادرة أجواء مهرجان العلمين.. فالأصداء لا تزال مستمرة والغناء أيضا مستمر.

اللافت أن منظمى المهرجان سعوا لاستقطاب أذواق مختلفة من "المصطافين" وجمهور الشاشات أيضا.. حيث إن الحفلات يتم تسجيلها وإذاعتها على القنوات المصرية.. في الوقت نفسه الذى حظى فيه حفل عمرو دياب بحضور جماهيرى كبير كما هو متوقع.. رغم ارتفاع أسعار تذاكر الدخول.. حظي أيضا حفل نجوم التسعينات بنجاح مشابه..

ولم يكن عشاق الطرب الشرقى بعيدين عن ذهن المهرجان ومنظميه.. فقد ضم جدول الحفلات حفلا لنجم الغناء على الحجار وآخرين من أصحاب الحناجر الثقيلة.

وقبل أن يغادر عشاق الموسيقى ساحل المتوسط البعيد للعودة.. كانت وزارة الثقافة حاضرة وجاهزة لبدء حفلات مهرجان القلعة فى دورته الجديدة.. وهو مهرجان تراثى شعبى بامتياز للقاطنين فى القاهرة الكبرى والقادمين من الأقاليم القريبة كذلك لاقتناص ساعات من السعادة والزهو وسط أجواء تاريخية بديعة فى ظل ما تشهده القاهرة القديمة والمنطقة المحيطة من تغيير كامل.

المهرجان فى هذا العام والذى يستمر لأسبوعين يتضمن جدوله 31 حفلا، بدأت بحفل المطربة كارمن سليمان فى ليلة التكريم، حيث كرم المهرجان عشر شخصيات مصرية بارزة أسهمت بمشاركات فاعلة فى السنوات السابقة فى مسيرة الثقافة المصرية.

ولأول مرة يشهد المهرجان حفلا للمطرب حمزة نمرة، فيما تكررت أسماء اعتدناها فى المهرجان المعروف باسم مهرجان الغلابة، أبرزهم نجوم جيل الوسط على الحجار ومدحت صالح وهانى شاكر والموسيقار عمر خيرت الذى يحظى حفله بوجود جماهيرى غفير فى كل عام.. وهو الأمر نفسه بالنسبة للشيخ ياسين التهامى الذى صار حفله فى الموعد ذاته من كل عام حدثا ينتظره عشاق المديح فى القاهرة.

باختصار، وفى كل أحوالها، لا تستغنى مصر عن الغناء.. تمارس إبداعها بصبر.. وتحد.. فى عز حر أغسطس وفى مواجهة أحوال اقتصادية غير مسبوقة.. الفقراء يمارسون بهجتهم بالقرب من رائحة الأجداد فى قلعة صلاح الدين.. وأصحاب الدخول المرتفعة والقدرة على الذهاب إلى الساحل الملون فى واحدة من أجمل بقاع العالم.. العلمين.. وفى الصعيد وفى عروس المتوسط وفى دمياط.. وأمام الشاشات.. هذا ما قصدت.. لا شىء يمكنه أن يمنع المصريين عن العزف.

 سؤال بجد: ماذا تفعل بنا أنغام؟

لم يكن من السهل أن يمر ألبوم أنغام الجديد دون توقف.. هذه السيدة التى سيطرت عليها الموسيقى وفتنتها تماما لا تتوقف عن التجريب.. عن المغامرة.. عن القفز إلى الأمام.. هى صوت مصر بلا شك.. لا شك عندى فى ذلك.. ليس من باب "العلم" ولا حلاوة الصوت.. ولكن من باب احترامها لما تفعل وإخلاصها له.. أنغام تكاد تكون المطربة المصرية الوحيدة التى تسير على نفس "القضبان" منذ ثلاثين عاما كاملة.. هى لا تهدأ.. ولا تتوقف عن الدوران.. هى تدور حول نفسها.. تعرف قيمتها وقدراتها.. لكنها تعرف أيضا - وهذا هو الأهم قيمة - أن يصبح لها تاريخ.. علامة.. قصة.. سيرة فى ذلك الذى وهبته عمرها وروحها.

أنغام هذه المرة تعمل "لمزاجها الخاص".. لا تفكر فى أى حسابات.. أسست شركة خاصة بها لإنتاج أغنياتها، ليس هربا من تحكمات المنتجين، ولكن لتطبخ "مشاعرها" على نار هادئة بدون أى إزعاج.. لتلهو كطفلة متمردة دون خوف من أى سلطة.. حتى وإن كانت سلطة الجماهير..

الجماهير التى تعودت أن يغنى المطربون فى الصيف على إيقاع المقسوم أغنيات راقصة تدعو للبلبطة ونزع الأحزان و"الفصلان" وما شابه.. لم يخطر ذلك على بال أنغام وإن كان فى "نصف عقلها " موجودا.. هى قررت أن تخاطب فينا عقلنا هذه المرة.. ما لها هى بتقسيمات الشتاء والصيف.. هى تغنى لنا نعم، لكنها تستمتع بما تغنى أولا.. هى تريد أن تصنع أغنيات تتجاوز حدود تلك المصطلحات المتعارف عليها، وهى جرأة لا تقدر عليها سوى أنغام.

هى تمثل نفسها ومشاعرها.. لا تزعم أنها تمثل المرأة.. وإن صدق الجمهور ذلك.. ورغم أنها تخاطب الرجل فيما يظنه البعض معركة فإنها تذهب إلى أبعد نقطة فى مشاعره.. هى تضع قواعد جديدة للعبة الموسيقى.. ولعبة التعامل مع الرجل فى آن واحد.

12 أغنية كاملة.. جميعها تستلهم حالة واحدة تقريبا.. هى حالة "مفترق الطرق" التى يذهب إليها معظمنا فى علاقاتهم الإنسانية.. علاقة اللحظة الحاسمة للاختيار بين أن نكمل معا.. أو نذهب بعيدا بما حملت قلوبنا من حب وكره وتشظٍ وجروح وفرح.

ما قبل الوداع.. ساعة الوداع.. قبل الرحيل.. ما بعد الرحيل.. هذا هو الحب.. أفكار أغنيات أنغام الجديدة تتفاوت مستويات الكتابة فيها ما بين نادر عبدالله وأكرم حسنى حتما.. ما بين موسيقى رياض الهمشرى القادمة من زمن شرقى محبب لقلوبنا وتوزيعات حسن الشافعى المغرقة فى الابتعاد.. لا توجد حالة وسط فى موسيقى أغنيات أنغام الجديدة.. لكن توجد مستويات وخطوط متعددة للتلقى.

أنغام قررت أن تطبق كل ما تعلمته من "علوم الهارمونى" على تجربتها الجديدة.. هى خطوط غير متوازية.. هى خطوط متشابكة.. حتى فى طريقة الأداء.. لا توجد طبقات دنيا وطبقات عليا.. أنغام تغنى من مناطق غريبة "مستخبية" بين القرار والجواب.. وحدها تعرف أين توجد.. قدرات غير طبيعية لمطربة غير "مسبوقة" فى تاريخ موسيقانا يعبر عنها هذا الألبوم "تيجى نسيب".

العنوان اختارته أنغام بعناية.. ليس من قبيل الصدفة.. هى لم تقرر "الرحيل أو الابتعاد" حتى وإن حدث.. هى تمنح الآخر فرصة "التجربة" وحق "الامتناع" عن الفراق فى الوقت ذاته..

هذه قراءة للعناوين.. أما ما داخل الأغنيات فهو يحتاج إلى "قعدة" أخرى مطلع الشتاء.. فهذا ألبوم صالح لكل الأوقات.. هكذا أظن.

 مدحت صالح.. منتهى البهجة

لا يغامر مدحت صالح كثيرا، وإن كان أكثر أبناء جيله امتلاكا لشيك على بياض من جمهوره أن افعل ما تشاء وقتما تشاء..

مدحت صالح مطرب مصرى عربى شرقى.. هذه "التكوينة" هى الحاكمة لاختيارات الرجل الذى يسابق الزمن ويلعب فى مساحة خاصة به تماما.. لكنه لا يترك ملاعب الآخرين فى حالها..

صالح ابن جزيرة بدران مطرب ابن بلد.. يحفظ تاريخ الموروث الشعبى للحارات المصرية جيدا، مثلما يعرف سر النغمة الشرقية جيدا.. فى الوقت ذاته هو صاحب الترمومتر الذى يحدد علاقته بالأجيال الجديدة.

الأجيال الجديدة هى التى تصنع خلطة ألبوم صالح "بالمختصر المفيد".. هو لا يبحث عن مشاعر مرتبكة.. ولا "إيقاعات صادمة".. ولا مفردات جمالية متجاوزة.. هو يلتقط مفردات "الأندر إيدج" فى صياغة أقرب إلى إيقاعاتهم وسرعة أيامهم.. وكالعادة هو صاحب الدعوة إلى "مغادرة الأحزان" واقتناص لحظات "الفرح" من هذه الدنيا كلما اقتربت.

مدحت الذى عاش لحظات صعبة فى الأيام الماضية لوفاة شقيقه الأصغر "أحمد صالح".. تخلص من حزنه الخاص تماما.. هو الآن على المسرح يمثل دور "المبسوط".. المتفائل.. وكالعادة ينجح فى إقناعنا..

مدحت يمنح الفرصة لعدد كبير من الأسماء الجديدة التى تكتب وتلحن لأول مرة تقريبا.. ولا ينسى أن يتعاون مع أسماء كبيرة تعاونت معه من قبل مثل بهاء الدين محمد.

مدحت المغنواتى.. يمارس "فتونته" بهدوء.. وبساطة كالعادة.. هذا هو الموجز فيما تلقيناه من انطباعات عن "الألبوم" الجديد لصالح.. أما التفاصيل.. فهى تصلح لقراءة أخرى قادمة.

 فرصة أخيرة.. لشيرين عبدالوهاب

يبدو أن شيرين تتعافى أخيرا.. تخلصت من أموالها.. ومن شركتها القديمة.. وراحت تغامر بإصدار أغنيتين جديدتين لتقول لنا.. إننى ما زلت قادرة على العودة.

الأغنيتان من ألحان عزيز الشافعى.. صدرتا فى منتصف الليل.. وتم حذفهما من على منصة اليوتيوب بعد ساعات قليلة.. لأسباب "تعاقدية" ومعركة جديدة ربما تستنزف الكثير من "ساعات يومها" فى القادم..

لكن شيرين التى تعمدت الغناء ببساطة جمعت بين "معنيين".. محاولة النسيان والبحث عن "الحبيب" الذى تتمناه.. بكلمات تامر حسين والشافعى.. وموسيقى مبهجة وأداء بديع رغم بساطته.. كل ذلك مجرد إشارات وقياس "لموقع" شيرين فى قلوب عشاقها الذين استقبلوا أغنياتها بفرح شديد ربما يدفعها إلى مواصلة "العناد" وكسر قيودها حتى "تتحرر" تماما من كل ما سبب لها هذه "اللخبطة" و"التوهة" التى ذهبت بها إلى شوارع لم تكن لها..

أثق فى قدرة شيرين على العودة وأتمنى أن يحدث ذلك فى أسرع وقت ممكن.. أما عن أغنيتيها فيمكن أن نستمع إليهما رغم المنع.. فعشاق شيرين يعرفون كيف يصلون إليها.

 	 محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...