نولان.. حوّل «أوبنهايمر» إلى أسطــورة يعشقها الأمريكان

عند مشاهدة فيلم “أوبنهايمر” للمخرج كريستوفر نولان، يغمرنا إحساس أننا أمام عمل فنى لسيرة ذاتية تتحدث عن أسطورة لعالم فيزيائى يعيش مأساة إنجازاته فهو معروف بأنه أبو القنبلة الذرية، ورغم ذلك نستمتع بالتناول الدرامى الممتع لحياة وتفكير أوبنهايمر وتناقضات وتحولات نظرته للعالم ولإنجازاته العلمية.

انتصار روبرت أوبنهايمر هى مأساته، فعلى الرغم من أنه حقق العديد من الإنجازات فى الفيزياء النظرية، فإنه يذكر دائماً بأنه أبوالقنبلة الذرية بعد تصميمها تحت إدارته فى مختبر لوس ألاموس.

 قدم المخرج كريستوفر نولان بطل فيلم  «أوبنهايمر» شخصية متعددة المراحل الفكرية وكان هذا واضحا فى تطورها مع تصاعد الأحداث إلى أن وصلت لما يشبه التعرى الدرامى مع القفزات الزمنية اللازمة لتطور الشخصية وصولا لزمن القنبلة الذرية حيث نضج الشخصية واكتمال تمحورها حول فكرها وتأثيرها.

 نولان لم يحدد ولم يثبت أى معلومة سوى  النهاية المأساوية لأوبنهايمر، ولم يكن هذا من أولوياته غير أنه صنع فيلمًا مميزًا على المستوى التقنى وحتى السردى والإيقاعى وكان ذكيا بعدم الاقتراب من الموضوعات الشائكة المتعلقة بالقنبلة سواء بالتبرير أو الإدانة وفضل البقاء بالمنطقة المحايدة ولتسليط القوة السردية على الشخصية الرئيسية وتقلباتها.

أوبنهايمر أحد أفضل أفلام نولان صنعًا على الإطلاق، ويمتلك من الجودة الفنية ما يشفع له أن يدخل قائمة أفضل أفلام العام وقد يؤهله للترشح للأوسكار ٢٠٢٤ خصوصًا على مستوى الأداء الفردى والإنجاز التقنى.

الفيلم يشبه أفلام نولان السابقة، ويحمل أسلوب نولان المتعارف عليه فى أفلامه السابقة إلا أنه هنا أكثر نضجا فى لغته البصرية والسردية التى تميز أفلام نولان عن غيره من عمالقة الإخراج السينمائى، الفيلم مزين بملامح سينما نولان التجارية والفنية وتميز صنعته وإبداعه وحرفيته وحتى مغالاته فى الإنتاج ومحاولات مطابقة الواقع لخلق حالة من التعايش مع الأبطال والأحداث.

 تميز نولان فى فيلم أوبنهايمر بسرد سيرة ذاتية مطعمة بالاثارة وكادرات الأفلام التسجيلية المتوعدة بالمفاجأة التى تربك المشاهد فيدركه نولان بحبكة ملتوية مثيرة تخرجه من الحالة التسجيلية وتذهب به إلى عالم الإثارة، لحظات تشد الانتباه الكامل لكل تفاصيل المشهد السينمائى.

 نجح الفيلم على مستوى التمثيل بسبب الأداء الاستثنائى للممثل الفريد كيليان ميرفى، ونكاد نقول إنه إعادة اكتشاف للممثل الذى قدم أفضل أداءاته خاصة فى المشاهد التعبيرية بملامح الوجه التى تقدم معانى تعبيرية عن الحالة النفسية للبطل دون حوار يعكس الحالة الداخلية للشخصية وما هى عليه.

المخرج كريستوفر نولان كاتب ومنتج بريطانى، من مواليد لندن عام 1970، بدأ الاهتمام بالسينما منذ الصغر، فى سن السابعة بدأ إخراج الأفلام باستخدام كاميرا والده، درس الأدب الإنجليزى فى جامعة لندن، وبدأ مشواره فى عالم الإخراج بصناعة عدة أفلام قصيرة، أخرج أول أفلامه السينمائية الطويلة Following عام ١٩٨٩الذى كتب له السيناريو أيضًا، وقد نال الإشادة عنه عندما عرض بمهرجان سان فرانسيسكو السينمائى، توالت بعدها أفلامه فى الظهور فقدم عدة أفلام مهمة مثل Memento عام 2000 الذى رشح عنه لجائزة الأوسكار أفضل سيناريو كتب خصيصًا للشاشة وجائزة الجولدن جلوب عن نفس الفئة، وفيلم Inception عام 2010 الذى رشح عنه أيضًا لجائزة الأوسكار أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصلى.

رشح نولان خمس مرات لأفضل مخرج فى حفل توزيع جوائز الأوسكار، أخرج نولان عدة أفلام  من سلسلة باتمان، أبرزها هو بلا شك فارس الظلام فى 2008.

فى عام 2010 ظهر أحد أشهر أفلام نولان inception وهو من الأفلام التى لاقت رواجا واسعا وأثارت جدلا كبيرا فى الوسط السينمائى الذى لا تزال نهايته حتى يومنا هذا موضوع نقاش، وتم ترشيحه لأربع جوائز فى مهرجان الأوسكار، فيلم  Inception عمل ذكى ملىء بالغموض  تمكن من استقطاب رواد السينما بشكل واسع  فهو نموذج كيف تصنع الأفلام، وما السينما إلا ذلك المنام المشترك بين الجمهور وهو الهمّ الحقيقى للمخرج.

أخرج كريستوفر نولان فيلم بنجمى عام ٢٠١٤ وقدم فيلما واحدًا من أفضل الأفلام فى مسيرته بأكملها وواحدا من أبرز الأفلام حول السفر عبر الفضاء، موسيقى تصويرية وأحداث تحبس الأنفاس الفيلم عن جوزيف كوبر المهندس السابق الذى قرر ترك عائلته والبدء فى مهمة ناسا بحثًا عن كوكب آخر صالح للسكن حيث إن موارد الأرض بدأت فى النقاد، حقق الفيلم نجاحاً تجاريا بشباك التذكار وتلقى مراجعات إيجابية من النقاد الذين أعطوا اهتماما خاصا للدقة العلمية للفيلم والموسيقى التصويرية والمؤثرات البصرية وأداء كل من ماثيو ماكونهى وآن هاثاواى ومكانزى فوى، ربح الفيلم جائزة أوسكار لأفضل مؤثرات بصرية فى حفل توزيع جوائز الأوسكار السابع والثمانين، فضلاً عن العديد من الجوائز الأخرى والترشيحات وبشكل خاص عن المؤثرات البصرية والتصوير السينمائى والموسيقى التصويرية، أشاد العديد من العلماء بالطبيعة الصارمة لنولان فى هذا العمل، مع الواقعية التى نادرًا ما ترى فى فيلم بهذه الخصائص.. قصة رائعة مليئة بالمؤثرات الخاصة، حصدت عددا لا بأس به من الجوائز وهو حتى يومنا هذا من الأفلام المفضلة لدى الكثير من مشاهدى ومتابعى المخرج.

 الفيلم قبل الأخير دانكيرك عام ٢٠١٧ الذى أحدث  تباينا فى الآراء عند صدوره بين النقاد والجماهير ففى الوقت الذى قالت عنه الجماهير إنه ممل بعض الشىء أشاد النقاد ورشح أيضا لجائزة الأوسكار  يركزالفيلم على حدث حقيقى، عملية حربية وهى حملة مبكرة نفذتها المملكة المتحدة بعد غزو ألمانيا النازية لفرنسا بهدف الإخلاء وإنقاذ ما يقرب من  300 ألف جندى كانوا فى ساحل دونكيرك فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، الفيلم مثل أفلام نولان يتمتع بنهج سردى رائع لثلاث قصص متوازية البحر والجو ومركز العمليات واتخاذ القرار. 

نال الفيلم جائزة الأوسكار لأفضل مونتاج وجائزة الأوسكار لأفضل خلط أصوات وجائزة الأوسكار لأفضل مونتاج صوتى.

الغموض هو ما يجعل الفن أمرا مثيرا وممتعا، وهو تلك القدرة على خلق الانطباعات المختلفة عند القراء وخلق حالة من الجدال وهو ما يميز كل أفلام كريستوفر نولان حتى فيلمه الأخير أوبنهايمر الذى عكس افتتان الأمريكان به والرعب من أن تنقلب عليها أفعالها.

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

عادل إمام.. 86 عاماً على ميلاد أيقونة فنية لا تتكرر

6 عقود زعيماً للفن العربى ساهم فى ترسيخ مكانة الفن المصرى كأحد أهم أدوات التأثير الثقافى

محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام،...

«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة...