مجدى نجيب.. وتبقى غايب وأنـده عليك

مش عارف هو عنده كام سنة دلوقتى.. ولا عايز أعرف.. فماذا تعنى السنوات فى عمر رجل لم يعرف للزمن قيمة ولم يضع فى حساباته يوما أن يسأل، مع أنه صاحب السؤال الكبير "إيه

مش عارف هو عنده كام سنة دلوقتى..  ولا عايز أعرف.. فماذا تعنى السنوات فى عمر رجل لم يعرف للزمن قيمة ولم يضع فى حساباته يوما أن يسأل، مع أنه صاحب السؤال الكبير "إيه آخرة الترحال"؟!

هو من  البداية يعرف.. يعرف كل الإجابات عن الحب والحرب.. الطول واللون والحرية.. عن "الأوصاف" وعن "القمر اللى غاب".. هو يعرف أين غاب القمر لكونه لم يشأ أن يخبر "شادية وابن عمها".. فما كان يهمه ولا يزال هو الحب.. سواء غاب القمر أو ظل ساهرا حتى يطلع الفجر.. هو "يلهو".. يلعب لعبة "السجين  المحب". ألم تر كيف هو يحب عبدالناصر ولا يزال رغم أنه أضاع من عمره ثلاث سنوات كاملة فى سجون الواحات؟!

نعم هو يحب ناصر.. ويرى من زاوية صغيرة فى ذلك السجن البعيد ما رآه فؤاد حداد رفيق تلك الرحلة.. لا قيمة للزمن ولا  المكان.. المهم ما وراء المكان.. هو الذى رأى فى عز العتمة "نور الشمس" وطلب منها "ما تحماشى" .. ليس لأنه يخشى من "صهدها" ولكن لأن الحبيب .. "حبيبه.. صابح ماشى".

عن أستاذى وأبى وشيخ طريقتى الشاعر الرسام الطفل ابن السادسة والثمانين مجدى نجيب أحدثكم.. عن رجل احترقت شقته بكل ما فيها فراح يبحث عن "فرشاة الألوان"، فهو لم يختزن شيئا، ولم يكن له دفتر شيكات، ولا أغراه الذهب.. رغم  أن المحروقات كان من بينها "سيف ذهبى" أهداه له رئيس دولة عربية تقديرا لفنه.

أحدثكم.. فى عيد ميلاده.. عن شاعر لا هو  صعيدى ولا بحراوى..  هو من  المنطقة التى تقع بين الفيوم وبنى سويف.. لكنه ليس قبليا ولا شيخا من  شيوخ العرب.. وإن امتلك  حكمتهم.. وألف أساطيرهم فى "زمن الحب والحرب".. بـ"دهشة" تشبه عيونه التى لا تنظر إلى الوراء أبدا.. فهل يسبقنى أحدكم وينظر إلى ذلك الوراء ويستعيد معى حكاية شاعر لم نستطع أن نقدره بما يستحق وهو لا يزال بيننا؟!

أسكن بيوت الحزن.. لا يمكن

عرفت مجدى نجيب وأنا على باب الطفولة فى قريتى بسوهاج.. كان قد جاء إلى هناك فى زيارة بصحبة عدد من الإعلاميين والشعراء الكبار ليشاهدوا عددا من أطفال الصعيد انتظموا فى كورال غنائى يغنى لمعين بسيسو وفؤاد حداد وجاك بريفير.. كانت أعمارهم ما بين  التاسعة والثانية عشرة.. أولاد وبنات يعرضون ما تعلموه وحفظوه على مسرح قصر ثقافة سوهاج.. وكنت أسبقهم بخمس سنوات أو يزيد.. وأخبرنى أحد أقربائى بأن هذا الرجل الوديع الذى لا يتحدث كثيرا هو "شاعر الألوان" صاحب أغنية "كامل الأوصاف".. و هو الرجل الذى كتب لهانى شاكر "سيبونى أحب" و"يا ريتك معايا"، والأخيرة كانت أغنيتنا المفضلة فى الأفراح.. وأنه أيضا صاحب أغنية سعاد محمد  الشهيرة.. "أوعدك".. ولم أكن أعرف الأغنية ولا سعاد محمد.. كنت مهووسا بعلى الحجار ومحمد منير.. فقال لى صاحبى "ما هو برضه بتاع: "سؤال باسألك.. إيه آخرة  الترحال؟".. و"صديق منير ومكتشفه".. ومن  هذا الباب رحت إليه طفلا على باب الرجولة بجلباب صعيدى حامل الزرقة.. لكنه أعجبه وسألنى عن صاحبه فلم أفهم.. كان يقصد "الخياط".. فقد رأى فيه فنانا.. ورأى فى قريتى ألوانا غابت عن المدينة التى يكرهها ويحبها فى نفس الوقت.. وسألنى "انت شاعر صح"؟!"، لم أكن أعرف من الأصل أن ما أكتبه فى الكراريس الممزقة عن مباريات الأهلى والزمالك وسيرة  جابر أبوحسين اسمه "شعر"، لكنه رأى ذلك.. بل رأى ما هو أبعد.. وأخذ ما اعتبره  أمانة عليه توصيلها للقراء وقد فعل، بل ومنحنى وساما بأن رسم بريشته "صورة مصاحبة" لما اعتبره شعرا يكتبه شاب صعيدى لا يجيد قراءة اسمه ولا ألوان الريف الذى يسكنه.

كنا فى منتصف ثمانينات القرن.. فجئت إليه فى القاهرة لأشكره فى شقته بحى الدقى.. فكان أن منحنى "محبته".. وكتبا.. وسكة سفر لم تتوقف حتى هذه اللحظة.

قرأت "صهد الشتا" الذى أصدره منتصف التسعينات  فى نفس توقيت صدور "الأرض والعيال" للأبنودى.. و"صياد وجنية" لسيد حجاب.. وانتبهت لمقدمة فاروق شوشة .. التى قال فيها إن نجيب هو "الأسبق" إلى قصيدة شعر العامية الحديثة.. ورحت أقرأ كل ما كتب وكل ما كتبوا.. ودلفت إلى شيخهم  فؤاد حداد.. فلم أعد لا إلى نفسى ولا قريتى..  وأصبحت واحدا من مريديه وما أكثرهم..

"كامل الاوصاف فتنى

والعيون السود خدونى

من هواهم رحت أغنى

آه يا عينى.. آه يا ليل"..

فتنتى لعبة "مجدى نجيب" الذى يحول كلماته إلى ألوان، ويحول الألوان إلى كلمات نغنيها.. ويقصف عنق "النغمات" غير مهموم بالأوزان لتصبح صورة..

"قمرى حصان فى الليل

نجومه دى بترقص

ساعات أحب حاجات

ما يحبهاش غيرى

فى الراحة والجايات.. باغنى مع طيرى"..

ولم يتوقف مجدى نجيب عن الغناء مع "طيره" حتى لو بدا لنا ذلك الغناء فى بعض حالاته همهمة غير مفهومة..

وبخاصة فى الأغنيات التى غناها له منير من ألحان وجيه عزيز فى ألبومى "من أول لمسة".. و"ممكن"..

"عاشق

اعشقنى

كاره.. اكرهنى

لكن اسمعنى

حاول تتغير.. غيرنى

من أول لمسة

غير لى  سنينى.. رسينى

على أول مرسى

صابر.. صبرنى

إوعى تحيرنى

شارد صحينى.. نسينى شرودى

تسبقنى وعودى.. من أول لمسة"..

هل يبدو الغناء مبهما غامضا.. كما يحاول البعض وصف تجربة مجدى نجيب.. فى محاولة لفهم سر عدم انتشاره بالشكل  الكافى؟!

لقد هجر نجيب عبدالحليم حافظ وهو فتى مصر والعرب الأول فى الغناء بعد زلزال أغنيته مع الموجى "كامل الاوصاف" ليس لأنه فشل معه.. لكنه هجره إلى سلطان وفايزة أحمد وهانى شاكر لأنه شاهده  يمنع معجبا جاء إليه تحت بيته ليعطيه أوراقا كتب بها ما يراه صالحا للغناء.. لقد تخيل  الرجل الذى يحب سجانه نفسه مكان ذلك الشاب.. لم يصدق أن دقائق قليلة كان يحتاجها ذلك  الفتى الريفى قد تعطل "العندليب" أو تعرقل مسيرته.. فمضى إلى بيته دون عودة وراح يكتب الأغنية الأولى لشاب مجهول أتى به الموجى وسلطان وتبنياه.. وأصبح  اسمه فيما بعد هانى شاكر..

"سيبونى أحب

سيونى يا ناس

أعيش الحب

حرام أحبكم تجرحونى

حرام أروح لكم تبعدونى

وحياة ما خلى قلبى يحبكم

سيبونى أحب"..

تلك الكلمات البسيطة كانت لكل الذين يحاصروننا فى أبسط تفاصيل حياتنا باسم "الأخلاق" و"العادات" و"المصالح العليا".. هى أغنية ضد أى رقابة رغم بساطتها.. وربما تكمل أغنية شادية "غاب القمر" تلك الرسالة بإعلان خوفها من النسمة..

"غاب القمر يا ابن عمى

ياللا روحنى

لا النسمة آخر الليل

تفوت وتجرحنى"..

لم تكن النسمة هى التى ستجرح الفتاة التى ذهبت لملاقاة حبيبها.. لكنها أصوات "القهر باسم الأبوة والأخلاق والدين أيضا".. وكان أن خرج الشيخ كشك متندرا  بالشاعر وشادية والأغنية "وهيه رايحة له تعمل إيه فى غياب القمر"؟!.. وهاجت هائجة أصحاب النظرة السلفية والمتشدقين والمتعاطفين فى ظل مد سلفى كان يكبر شيئا فشيئا.. لكن نجيب لم يتوقف.. فالذى كتب فى أكتوبر 1973 أن كل شىء أصبح له معنى قادر على أن ينجو مما يريد من "معنى" حتى وإن بدا للبعض "غامضا"..

"النهارده

كل شىء يا بلادى

أصبح له معنى

كلمة سلاح يا بلادى

إيد ع الزناد يا بلادى

عزم الرجال يا بلادى.. أصبح له معنى"..

من يستطيع أن يكون واضحا عندما يكون هناك طريق واضح للبلاد.. يستطيع أن يكون عالما وأكثر فهما ووعيا  عندما تتقدم تلك الرؤية أيضا..

"ينسانى دراعى اليمين

ينسانى دراعى الشمال

ينسانى ننى العين

لو نسيت القدس"..

ولم ينس مجدى نجيب مثل كل أبناء جيله قضية وطنهم الأساسية.. لكنهم  أدركوا أيضا أنهم فى زمن مختلف.. و"عمر" يحتاج إلى إعادة صياغة مختلفة.. ذهب نجيب إلى اللون.. راح يرسم الحواديت للأطفال.. فى مصر.. وبعض الدول العربية.. وراح يعلم أجيالا فنون الإخراج الصحفى، سواء فى مجلة الإذاعة والتليفزيون أو فى مجلات عربية ترأستها هالة سرحان لفترة من  الزمن.. ولما لم يجد أن سيرة الظاهر بيبرس كافية لمنح أطفالنا  لقاحات المقاومة والتمرد.. عاد مجددا ليكتب لهم ولنا ما اعتبره البعض منا "أغنيات سيريالية" فى زمن "الأساتوك" و"الليثى".. و"المهرجانات"..

"أوعدك وانت بعيد

تفضل حبيىبى

فى كل مكان

وفى أى زمان

نفضل حبايب وأشتاق إليك

وتبقى غايب وأنده عليك

أوعدك دايما فاكراك

أوعدك ولا يوم هانساك"..

ومن حيث لا يدرون.. عادت سعاد محمد بأغنيتها بعد غياب يزيد على ثلاثين سنة.. لتصبح "التريند" فى الأفراح والملاهى.. وبرامج المسابقات.. ولم ينس مجدى نجيب رغم كل ما تعرض له من خذلان وتهميش من "سلطات الثقافة" فى بلادنا  لسنوات.. ولم يكره أحدا.. ولم يشك.. بل ظل يرسم ويعبث بألوانه وكلماته  وسيظل هكذا دوما.. يرسمنا فى لوحته المبهجة عكس كل الأحزان.. عسانا نفهم ما غاب عنا ولم يزل..

"أنا بعت الربيع والعمر

طرحت جناينى فى الربيع الصبر

وقلت أنا عاشق

سقونى كتير المر..  ورا الشبابيك".


 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...