«الفنار».. درس فى قيمة الحياة وعـذاب الضمير

الى أى مدى يمكن أن يأخذنا عذاب الضمير، حين ينفرد الضمير بالنفس يحاسبها ويؤنبها، لدرجة يصبح معها عذاب النفس وآلامها أقوى من عذاب الجسد الذى تأكله الطير؟! فالشعور

الى أى مدى يمكن أن يأخذنا عذاب الضمير، حين ينفرد الضمير بالنفس يحاسبها ويؤنبها، لدرجة يصبح معها عذاب النفس وآلامها أقوى من عذاب الجسد الذى تأكله الطير؟! فالشعور بالندم خاصة إذا كان لمرجعية دينية أخلاقية إنسانية أمر قاتل.

هذه هى الفكرة التى قدمها ببراعة المخرج روبرت ايجرز فى فيلم "الفنار" الذى عرض ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائى الـ41 خارج أفلام المسابقة الرئيسية. والفيلم مرشح لجائزة الأوسكار ضمن الأفلام الأجنبية.

ويظهر روبرت باتينسون فى دور إفرايم وينسلو أو توماس هاوارد، حارس منارة شاب وحطاب سابق.. وويليام دافو فى دور توماس ويك، حارس منارة مسن وبحار سابق.. وفاليريا كارامان تظهر كحورية البحر.

الفيلم عن قصة حقيقية لرجلين عملا معا فى جزيرة معزولة وسط البحر، على مسافة 45 كم من الشاطئ. الجزيرة عبارة عن صخرة صماء لا حياة فيها سوى للضوء الذى تبعثه المنارة فى قلب الظلام فى البحر، لتحذر السفن المارة من الاصطدام بها، تمنعهم العاصفة من العودة إلى المدينة فى الموعد المحدد، ويحيط بهما الموت من كل جهة، فالمؤونة انتهت، والعاصفة اشتدت، والبحر هائج، فيتعرضان لضغوط نفسية تحولهم إلى مجانين.

بدأ الفيلم بوصول الشاب وينسلو إلى الجزيرة المعزولة، لينضم إلى رفيقه فى العمل على صيانة الفنار، وفى بداية تعرفه على مخدعه يجد مجسما صغيرا لعروس البحر داخل وسادته، فيخفيه فى ملابسه، ليصبح نموذجا للمرأة على الجزيرة، والتى تأتيه فى أحلامه فيعاشرها، وهو أمر حرمه عليه رئيسه فى العمل، ضمن مجموعة تحذيرات، حتى لا تصيبهم لعنة الفنار، ومنها عدم التعرض لطيور النورس سواء بصيدها أو قتلها. إنها قصة آدم عليه السلام الذى كان يعيش فى الجنة، وأدت به آثامه لنزوله الأرض، فظلت لعنة تلك الآثام تطارده اينما تنقل على البسيطة.. تماما مثلما حدث مع وينسلو الذى أطاع رئيسه طاعة عمياء فى البداية، فكان يقوم بالأعمال الدونية لأن رئيسه يخص نفسه برعاية الفنار، والأعمال الأكثر أهمية، وحذره من الاقتراب من البرج، وحكى له عن لعنات أصابت سابقين ودفعوا حياتهم ثمنا لها، خاصة عندما قتل أحدهم طائر النورس الذى يحمل أرواح البحارة.

تمر الأيام فى هدوء لا يعكره إلا صوت الفنار، الذى يشبه صوت الأنين أو الإنذار، وفى اليوم السابق لمغادرة وينسلو يلاحظ أن مضخة الماء لحقت بها دماء، وعندما ذهب ليتحقق من الصهريج يجد نورسا ميتا يطفو داخله. ويهاجم طائر آخر وينسلو، الذى يمسك به ويضربه حتى الموت فوق الخزان. بعد ظهر ذلك اليوم تتغيير الرياح وتعكس اتجاهها بشكل كبير.

فى صباح اليوم التالى لا تصل العبارة، ويرى وينسلو جثة عارية على الشاطئ. يقترب منها فيدرك أنها حورية البحر. يركض إلى الكوخ فزعا، ليجد ويك قائلاً إن مؤنتهم تأثرت بالعاصفة. يحفرون صندوقاً يقال إنه يحتوى على حصص إضافية، لكنه يحتوى فقط على المزيد من الكحول، مما يعنى المزيد من الآلام والصراعات النفسية التى تصاحبها الهلاوس والتوهمات، وتصبح العاصفة قوية لدرجة أن الأمواج تتحطم عبر نوافذ الكوخ.

ويكتشف وينسلو أن كابتن ويكى كاذب، وأن واحدا من المساعدين السابقين مات مقتولا، حيث يجد رأسه داخل قفص تحت الماء، ومن شدة فزعه قتل طائر النورس المحرم قتله. وحاول وينسلو أن يخفى عن كابتن ويكى ما فعله، إلا أن الرياح هبت وتحول الهدوء إلى عاصفة، وهاج البحر لشهور، فأغلق عليهم سبل العودة إلى الشاطئ فى الموعد المحدد.

ظلا يتجاذبان أطراف الحديث لشهور، يتبادلان دور القاضى فى إشارة ليوم الحساب، بينما يعترف الآخر بأخطائه التى ارتكبها ويعبر عن إحساسه بالندم. ويتبارى الممثلان بأداء أشبه بالسيمفونية، أداء تمثيلى رائع ومبهر أمام الكاميرا فى توصيل الصراع الداخلى لكل منهما.

تستمر العاصفة مزيدا من الليالى، ويزداد الرجلان تقارباً بينما يظلان عدائيين. وتشتد العاصفة ويشتد الصراع بينهما والصراع النفسى داخل كل منهما، وتصيبهم الهلاوس لدرجة أنهما لا يمكنهما تحديد من فعل ماذا فى مشاهد تبادل الاتهامات بينهما، وهى من أقوى المشاهد فى الفيلم وتوضح الصراع النفسى، فبينما يحاول وينسلو الهرب، يدمر ويك القارب، وفى اليوم التالى يدعى أن وينسلو دمر القارب. وتتكرر مشاهد تبادل الأدوار والاتهامات، بحيث يصعب علينا أن نحدد من قتل من، ثم نفاجأ بأن وينسلو مصاب إثر آخر معاركه مع ويك، والنورس يأكل من جرحه وهو حى.

الفيلم جرى تصويره بالأبيض والأسود تأكيدا على تجرد الفكرة، وعلى تميز المخرج روبرت ايجرز عن غيره، فهو مخرج عبقرى يؤمن بما يقوم به ولا يقدم للسينما إلا ما يراه جميلا ويعبر عن رؤيته التى يتميز بها عن غيره من المخرجين، خاصة أن الفكرة تمت معالجتها من قبل بشكل رائع عام 2016 بنفس الاسم the lighthouse للمخرج كريس كرو، بطولة مارك لويس جونز ومايكل جيبسون.

يحكى الفيلم قصة عن الموت، والجنون، والعزلة فى رحلة مقفرة على جزيرة سمولز آيلاند سيئة السمعة، والتى حدثت فى عام 1801، حيث بات حارسا منارة عالقين فى البحر وسط عاصفة هوجاء. نفس القصة، مع اختلاف فى النهاية وبعض تفاصيل السيناريو، مما جعل قصة المخرج رودريجوز أكثر عمقا، ورشحها لجائزة الاوسكار بعد أن فاز بجائزة النقاد الدوليين "الفيبريسى" بمهرجان كان السينمائى الـ 72 لأفضل فيلم أول أو ثانٍ فى مسابقة "نصف شهر المخرجين".

روبرت إيجرز مخرج وسيناريست من بروكلين، فى الأصل من نيو هامبشاير، مواليد 1982. بدأ حياته فى المسرح التقليدى والتجريبى فى وسط مدينة نيويورك، بعد ذلك انتقل إلى إخراج الأفلام القصيرة، وعمل فى مجال التصميم للأفلام والتليفزيون والطباعة والمسرح والرقص، فيلمه الأول كسيناريست ومخرج (The Witch) حاز جائزة الإخراج فى الدراما الأمريكية فى "Sundance Film Festival" عام 2015، بجانب أنه تلقى إشادة من النقاد، وكان مبشرا بمولد مخرج سينمائى غير عادى له رؤيته ومنظوره لفن السينما الذى يختلف عن الآخرين.

فيما عدا القصة البسيطة، مشاهد الفيلم كلها إيحاءات وإسقاطات على المعارك التى نخوضها فى حياتنا وصراعاتنا النفسية مع الضمير والإحساس بالتأنيب، الذى قد نقتل به أنفسنا لدرجة يتفاقم معها الألم النفسى ليتخطى إحساس الألم الناتج عن نهش الطيور فى الجسد.

"روبرت باتينسون" نال شهرته من سلسلة أفلام توايلايت. وبرع فى أدائه أمام العظيم ويليام ديفو الذى يفاجئنا كل عام بأدواره الاستثنائية، مثل دور الرسام الهولندى فان جوخ فى فيلم At Eternity's Gate عام 2018.

هناك الكثير الذى يمكن أن يقال فى الفيلم وفكرته، فهناك من سيراه عن الوحدة ومن يراه عن الإحساس بالندم أو العجز أو حتى البحث عن حياة أفضل فى عالم كئيب. وهنا عظمة السينما تتجلى فى تحريك الفكر وملامسة مكنوناتنا وتحريك عواطفنا.

 


 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...