عمرو خفاجى :مأساة التعليم الجامعى

  • السبت، 28 سبتمبر 2013 12:34 م

حينما أذهب إلى مقر أى جامعة خارج مصر، سواء فى الولايات المتحدة الأمريكية أو فى أى دولة أوروبية، أشعر بحزن شديد على حال جامعاتنا المصرية، والآن صارت عواصم ومدن عربية عديدة (مثل الدوحة وأبوظبى ودبى)

حينما أذهب إلى مقر أى جامعة خارج مصر سواء فى الولايات المتحدة الأمريكية أو فى أى دولة أوروبية أشعر بحزن شديد على حال جامعاتنا المصرية والآن صارت عواصم ومدن عربية عديدة (مثل الدوحة وأبوظبى ودبى) تحتضن فروعا كبرى لبعض هذه الجامعات فى مختلف التخصصات وبعدما كنا نفخر بجامعاتنا خاصة جامعة القاهرة التى تجاوز وجودها الأعوام المائة أصبحت بعيدة تماما عن التصنيفات العالمية، على الرغم من أن الكثيرون من خريجيها، حتى فى السنوات الأخيرة حققوا نجاحات مذهلة فى مختلف أنحاء العالم لكن هذا لا يعنى أبدا أن جامعاتنا متفوقة أو أن جامعاتنا جيدة بل العكس هو الصحيح فلم يعد مثيرا ولا جديرا بالاهتمام لأى جهة تبحث عن موظفين جدد أن يكتب طالب الوظيفة أنه خريج جامعة مصرية وصار اللجوء طبيعيا لأى جامعة غير مصرية وربما هذا ما دفع أسر مصرية عديدة، تبذل جهودها المتنوعة من أجل إلحاق أبنائهم فى أى جامعة أجنبية سواء فى فروع هذه الجامعات فى مصر (مثل الأمريكية والألمانية) أو فى الجامعات نفسها فى أوروبا وأمريكا، سواء بالاستعداد المالى عبر طرق عديدة من بينها الإدخار الطويل الشاق ووثائق التأمين للتعليم، أو ببيع بعض ممتلكاتهم التاريخية (أراض زراعية ورثوها عن أجدادهم) وآخرون ينجحون فى الحصول لأبنائهم على أماكن فى هذه الجامعات عن طريق التفوق الرياضى أو العلمى، واللذين يخفضان أكثر من نصف مصروفات هذه الجامعات والتى هى باهظة ومرهقة بالفعل بالنسبة لبعض الأسر، ومستحيلة لغالبية الأسر.

المأساة التى تعيشها الجامعات المصرية مأساة مركبة وبالغة التعقيد، فالأمر لا يقف عند ما حدث لها طوال سنوات طويلة ماضية ولكن ما يحدث بها فأولا لا يوجد أى تحرك من أى نوع للإصلاح، سواء على مستوى الدولة أو حتى من النخب التى تقود العملية التعليمية، فأنظمة الحكم تبحث دائما عن تسكين الجميع فى المعاهد والكليات بغض النظر عن إمكانية استيعاب هذه الكليات والمعاهد للأعداد التى تقررها الدولة سنويا، وهو ما كان بمثابة رشوة من الحكومة للجماهير وهذه الأعداد ساهمت بفاعلية فى انخفاض مستويات جودة التعليم.

وبدا الأمر فى بعض الأوقات أن هناك من يفعل ذلك عمدا من أجل الترويج للجامعات الخاصة التى انتشرت بداية من نهاية سنوات التسعينيات كما أن غالبية القوى السياسية المعارضة لنظام مبارك نجحت فى إبعاد الجامعات عن ممارسة دورها الرئيسى فى تطوير التعليم عبر صراعات رخيصة مع النظام الذى ساهم بردود فعله فى إفساد مهمة التعليم داخل الجامعات عبر تدخلات سافرة من أجهزة أمنية، أطاحت بأساتذة أجلاء كنا فى حاجة إليهم، وكل ذلك بسبب مواقف سياسية متباينة والآن تفعل جماعة الإخوان المسلمين ذلك بوضوح ومن دون ستار بالإعلان عن تعطيل الدراسة بالجامعة، بجميع الطرق الممكنة وهو موقف لا أصدقه حتى الآن ولا أصدق أن شبابا مصريا يفسد حياته التعليمية بقصدية وعمدية معلنة وسابقة التجهي ويعتبر ذلك نضالا وطنيا ربانيا.

وحتى عندما صار لدينا جامعات بحثية مثل جامعتى النيل وزويل استبشرنا خيرا، وقلنا إنها الخطوة الأولى فى اتجاه الإصلاح والتطوير لكن فرحتنا لم تتم فمنذ عامين ومن لحظة الإعلان عن جامعة زويل وجميع أخبار هاتين الجامعتين فى صفحات الحوادث والقضايا ولم نسمع أبدا أخبارا علمية أو اكتشافات جديدة أو ظهور علماء جدد فقط قضايا ومحاكم وبلطجية وأسلحة بيضاء وشوم وطلقات خرطوش وحتى حينما جاء موعد مناقشة رسالة دكتوراة لأحد طلبة جامعة النيل تم الحدث العلمى فى خيمة أمام مبنى الجامعة المتنازع عليه فعلا أنا لست مشغولا بحقيقة الصراع لأن هناك حقيقة أوضح علينا ألا نهرب منها. إن نخبتنا التعليمية عاجزة عن الإصلاح والتطوير وربما هى أيضا جزء أصيل من الفساد والتخلف الذى نحياه.. وتلك قمة مأساة تعليمنا الجامعى، فهل من منقذ؟

نقلا عن صحيفة الشروق

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

توابع التوتر الشديد خلال الحمل

التوتر في الحمل لم يعد حالة نفسية عابرة، بل أصبح يصنف علمياً كمؤثر مباشر على نمو الجنين، مثل التدخين تماماً....

لماذا تخف قسوة بعض الذكريات مع الوقت؟

هناك أشياء حدثت لنا منذ سنوات، وما زلنا نتذكر تفاصيلها جيدًا. نعرف أين كنا، ومن كان معنا، وربما نتذكر الكلمات...

حين تكلمت أوجاريت بألف حرف...

على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم...

ترامب وبوتين وورقة الديزل

لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي...


مقالات