press_center
لا أشك أن كثيرين فوجئوا معي بإعادة الجدل حول موضوع ولاية المرأة للقضاء. كان الظن أن هذا الأمر قد تم حسمه نهائيا إلي أن أعلن أن النيابة العامة قد رفضت قبول تعيين المرأة في الدفعة الأخيرة من تعيينات معاوني النائب العام.لقد أدي هذا الموقف إلي إعادة الجدل داخل مجلس الدولة الذي انتهي إلي قرار جمعيته العمومية بمنع إلحاق المرأة بوظائف المجلس القضائية.
ومن أسف فقد استند القرار في الحالين إلي مجموعة من الأسانيد التقليدية التي لا نراها تصمد أمام النقاش الجدي:
1 ـ تعلقت الحجة الأولي بموقف الشريعة الإسلامية من ولاية المرأة للقضاء, ولسنا هنا في مجري السجال مع تفاصيل الآراء التي سيقت في هذا المجال, يكفينا أن أحكام محاكم مجلس الدولة قد أقرت أن الأمر موضع خلاف بين الفقهاء المسلمين, بمعني أن بعض هؤلاء الفقهاء قد أجازوا ولاية المرأة للقضاء في عصورهم التي لم تعرف عمليات التنظيم والتقسيم الاجتماعي, ولم تمارس فكرة العمل اليومي المنظم والمتخصص, سواء للرجال أو النساء, ولم تعرف فكرة القانون بشكلها المحدد, ولا تطرقت لفكرة المؤسسية, وتوزيع السلطة, بل إن تلك العصور قد عرفت ولاية المرأة لأمور الفتوي والقضاء علي نحو ما عدده المرحوم الشيخ محمد الغزالي في بعض مؤلفاته, فما بالنا وقد بلغت عمليات التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتنظيمي مداها الذي بلغته في عصرنا الذي لم يبق معه أي عمل بما فيها الأعمال العسكرية والشرطية لم تزاحم فيه المرأة الرجل, لئن أدت ظروف العصور القديمة إلي انحياز جمهور الفقهاء إلي رفض ولاية المرأة للقضاء, فإن الأولي بجمهور الفقهاء المعاصرين أن ينحوا إلي ما يخالف آراء الفقهاء الأقدمين.
2 ـ أما حجة أن العمل القضائي لا يناسب المرأة بسبب مشقته وتعارضه مع مسئولياتها الأسرية, فمردوده علي أصحابه بما تطويه ضمنا من تهوين من شأنها وحسن تقديرها واختيارها للعمل الذي تراه متوافقا مع قدراتها, ملائما لباقي واجباتها والتزاماتها, وهو تهوين يكذب مزاعم هؤلاء عن احترامهم لكفاءة وقدرات المرأة, مع أن هذه الحجة لا تستقيم إلا إذا كنا سوف نفرض علي المرأة ولاية القضاء كما لو كان نوعا من الخدمة الوطنية, سواء اتفقت أو لم تتفق مع رغبتها وإرادتها وظروفها الخاصة, ويكفينا لدحض هذه الحجة أن المرأة المعاصرة في مصر, شأن الدنيا كلها, لتمارس من جليل الأعمال وهينها ما تهون وتتضاءل بجواره مشقة ومتاعب العمل القضائي, ودون أن يكون لهذه الأعمال ما للقضاء من مهابة وجلال يحفظ أصحابه من اقتحامات الجاهلين, ولست أدري ما هو موقف أصحاب هذه الحجة من ولاية المرأة لأعمال القضاء إذا لم تكن لديها مسئوليات لكونها غير متزوجة أو غير منجبة مثلا!! كما لا أدري لماذا لا ترتفع أصوات المسئولية الأسرية للمطالبة بعودة ملايين المصريين العاملين في الخارج, خصوصا وقد تواترت الوقائع حول الآثار السلبية الكبيرة لغياب الآباء عن ممارسة مسئولياتهم الأسرية.
3 ـ وقد تنبه بعض المعارضين الأجلاء إلي حقيقة أن المرأة المصرية قد تولت القضاء فعلا, بما يفرغ الحجج السابقة من كل معني, وكان طبيعيا, والحال كذلك, أن يتطرق البعض إلي تقويم تجربة القاضية الدستورية تهاني الجبالي باعتبارها أقدم وأهم امرأة اعتلت المنصة العالية, ولسنا ضد التقويم الموضوعي لتجربة المرأة المصرية فوق منصة القضاء, بل نري ذلك عملا ضروريا بشرط أن يتوافر له المدي الزمني المناسب, والإحصاءات المعترف بها, والدراسات المعمقة.
نحن نتحفظ علي أي تقويم من خلال مجرد تصريحات صحفية تدفع أصحابها أيا كانوا لدعم آرائهم بكل ما يرونه حتي لو لم يكن موثقا, بل حتي لو كان متعارضا مع ما هو ثابت في صدور الأحكام القضائية, ونحن نظن أن ما ورد علي لسان قاضي جليل من قضاة مجلس الدولة بأهرام الأحد14 فبراير الماضي قد ظلم تجربة القاضية تهاني الجبالي, فإنه, مع تأكيد الشرف الرفيع الذي طالها نتيجة اصطفائها كأول قاضية مصرية, فإنها, علي رأي الدكتور عبدالمنعم سعيد في مناسبة مشابهة, لم تكن جالسة تنتظر علي قارعة الطريق, ونحن نربأ بقرار اختيارها من قبل الرئيس مبارك, وموافقة المجلس الأعلي للهيئات القضائية الا يكون قرارا مدروسا بدقة, وصادرا بناء علي الخبرات العميقة التي اكتسبتها في المحاماة ومجالات أخري متعددة, بما أهلها لهذا الموقع الجليل.
كما أننا نربأ بها وبقضاة محكمتنا الدستورية العليا أن يكون إثبات اسم القاضية تهاني الجبالي علي عشرات الأحكام الصادرة عن المحكمة قد ورد علي سبيل المجاملة أو استكمال الشكل, وأنها, علي نحو ما جاء في التحقيق الصحفي سابق الإشارة, لم تكتب أي حكم طوال السنوات السبع التي مضت عليها في مكانها السامي, وطبقا لما هو منشور في الصحف السيارة فإن سيادتها هي واحدة من ممثلي المحكمة في مجالس ومؤتمرات المحاكم الدستورية العربية والدولية, وقد أتيح لكاتب السطور أن يطالع بعض ما أسهمت به من بحوث في هذا المضمار, ولا نبالغ إذا قلنا إن مثل هذا الجهد لو تواصل وتراكم لضمن لصاحبته مكانا مرموقا في سجل فقهاء القضاء, أما القول بأنه يلزم لإجادة العمل القضائي الالتحاق به من بداية الطريق فهو قول صحيح فيما يخص المحاكم الجزئية والابتدائية, أما المحاكم الأعلي فإن إعمال هذا الرأي في شأنها كفيل بحرمانها من مواهب وخبرات لم يتيسر لها الالتحاق بالقضاء في مقتبل العمر, وهو حل يعني قصر خبرات هذه المحاكم علي أولئك الذين توافرت فيهم الشروط اللازمة لبداية السلم القضائي دون غيرهم من المواهب والخبرات الأخري.
نقلا عن جريدة الأهرام
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تظل ذكرى السادس من أكتوبر واحدة من أعظم المحطات المضيئة في تاريخ مصر الحديث، وواحدة من اللحظات الفارقة التي تجلت...
الثروة التي تصنع الرخاء.. ولا تضمن المستقبل في الاقتصاد، لا تأتي المرارة دائمًا من الخسارة. أحيانًا تبدأ من مكسب يبدو...
تتجدد في السادس من أكتوبر ذكرى العبور العظيم، لتستحضر الأمة واحدة من أزهى صفحات عزتها وكرامتها.
عبارة شهيرة «تتقطع الإيد اللي تتمد على مصري» قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عام 2013 حين كان قائدًا للجيش...