press_center
تمنى المفكر الراحل محمد السيد سعيد الذي كان واحداً من أبرز فرسان "وجهات نظر" يوماً في إحدى مقالاته أن "تتعولم" القضية الفلسطينية لمحاولة الاستفادة من مصادر جديدة لدعم نضال الشعب الفلسطيني نتيجة نمو الحركات المدافعة عن حقوق الإنسان عالمياً، وانعكاس ذلك على مواقف القوى الدولية تجاه الصراع مع إسرائيل. ولكن محمد السيد سعيد كان يتصور أن العرب سيكونون هم المبادرون بمحاولة تحقيق هذه العولمة، بينما أبت المفارقة إلا أن تكون إسرائيل هي المبادرة بعولمة القضية الفلسطينية وليس العرب نتيجة غطرسة القوة التي باتت تميز سلوكها والتراجع الذي أصاب المواقف العربية.
ظهر هذا في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في نهاية 2008 ومطلع 2009، إذ أطلقت إسرائيل العنان لآلتها الحربية كي تمعن في القتل والتدمير دون تمييز، ناهيك عن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً وعدم التورع عن مهاجمة مقار لأنشطة الأمم المتحدة مما أثار عاصفة عالمية من الاستياء على الأقل على مستوى الرأي العام والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، فضلاً عن أن الدول التي اعتادت الانحياز المطلق لإسرائيل قد وجدت أنه يتعين عليها أن تتحفظ بشكل أو بآخر على سلوك تل أبيب، وكذلك اضطرت الأمانة العامة للأمم المتحدة إلى اتخاذ مواقف صريحة تعبر عن إدانتها لمهاجمة المقار التابعة للمنظمة الدولية في غزة.
في هذه المرة قام الموساد باغتيال المبحوح في أحد الفنادق في دبي الشهر الماضي، وليسمح لي القارئ بأن أؤكد هذا المعنى كمحلل سياسي على رغم أن الملف ما زال بين يدي جهات إنفاذ القانون، فليس ثمة شك في أن إسرائيل هي وحدها صاحبة المصلحة في اغتيال المبحوح، ناهيك عن أن الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي قد اتهم الموساد بالوقوف وراء الاغتيال، وقال إن ذلك "أكيد بنسبة 99 في المئة إن لم يكن 10%".
وكذلك فإنه من المستحيل أن يكون جهاز استخبارات آخر غير الموساد قادراً على اختراق إسرائيل وسرقة عدد من الهويات لأشخاص يحملون جنسيتها وجنسيات أخرى، وتزوير هويات مطابقة لبيانات أصحابها بحيث لا يكون هناك اختلاف إلا في الصورة! وأخيراً وليس آخراً فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية قد تباهت بالخبر وتماهت معه، فلم تخفِ سعادتها بوقوع الاغتيال، وبأن ملامح المتهمين الأحد عشر تشبه أناساً إسرائيليين عاديين يمكن أن يصادفهم المرء في أي مكان في إسرائيل.
لا شك أن غطرسة القوة تقف هنا أيضاً خلف عملية كهذه، وهذا هو السبب المباشر في النزيف المستمر لرصيد إسرائيل في محيطها الخارجي، فمن الواضح أن الموساد تصرف وكأنه لا توجد شرطة في دبي، أو على الأقل لا توجد شرطة بهذه المهنية والاحترافية العاليتين، وهكذا أمكن تحديد المتهمين بعملية الاغتيال في وقت قياسي، وعلى النحو الذي بدأت معه نذر أزمة دبلوماسية حقيقية بين إسرائيل والدول التي استُخدمت في العملية جوازات سفر مزورة لأشخاص يحملون جنسياتها، وهو أمر يرقى إلى المساس بسيادة هذه الدول ومصالحها وأمن مواطنيها.
وقد تكرر تزوير جوازات السفر في عمليات سابقة للموساد، ففي 1987 احتجت بريطانيا لدى إسرائيل على إساءة استغلال السلطات الإسرائيلية جوازات سفر بريطانية مزيفة، وقالت بريطانيا إنها قد تلقت تأكيدات بأن ثمة خطوات قد اتخذت لمنع تكرار هذا في المستقبل. وفي محاولة اغتيال مشعل في عمان 1997 دخل من حاولوا اغتياله إلى الأردن بجوازات سفر كندية. وقد استدعت كل من لندن ودبلن السفير الإسرائيلي على خلفية تطور التحقيق في اغتيال المبحوح.
ويلاحظ أن كلا السفيرين بعد اللقاء لم ينفِ أو يؤكد تورط دولته في الاغتيال، بل إن وزير الخارجية الإسرائيلي نفسه قد صرح بأنه "ليس هناك دليل" على تورط إسرائيل، لكنه لم يكن حاسماً في نفي هذا التورط، بل لقد أضاف أن إسرائيل تعتمد سياسة الغموض في عمليات الاستخبارات.
ويبدو أن سيناريو تصاعد الأزمة الدبلوماسية بين إسرائيل والدول التي زُورت جوازات سفر خاصة برعاياها ليس مستبعداً، خاصة بعد أن أصدر "الإنتربول" مذكرات بحث وجلب بحق الأحد عشر متهماً، وذلك بعد أن تسلمت دبي من عمان الفلسطينيين المتهمين بتوفير الإمداد والإسناد للموساد في العملية، ويكفي أن يقدما في التحقيقات ما يؤكد تورط الموساد في اغتيال المبحوح حتى تتعقد الأزمة بين إسرائيل وتلك الدول، ناهيك عن مزيد من تدهور صورتها في الساحة الدولية، خاصة على ضوء إصرار المسؤولين في تلك الدول على حقهم في معرفة ما جرى، ناهيك عن وصف وزير خارجية إيرلندا الحادث بأنه "خطير جداً".
وقد انعكست هذه الاحتمالات بوضوح على وسائل الإعلام الإسرائيلية، فبعد إظهار التباهي والسعادة بالخبر وبتشابه ملامح المتهمين مع ملامح الإسرائيليين العاديين الذين يمكن أن تصادفهم في أي مكان، طالبت صحيفة "هآرتس" بإقالة مدير الموساد، وأبدت "يديعوت أحرونوت" عدم الثقة في أن العملية كانت ناجحة كونها لم تأخذ في حسبانها كفاءة شرطة دبي التي تمكنت من التعرف على المتهمين. واستخدمت معاريف تعبير "إرباك كبير".
ولم يعد رئيس الموساد هو "جيمس بوند إسرائيل"، ووصفته "هآرتس" بأنه تحول من "بطل قومي" إلى "فاشل قومي" ومن "عزيز الأمة" إلى "وصمة عار للدولة"، وتساءلت أصلاً عما إذا كان الاغتيال يبرر المساس بالعلاقات مع دول صديقة، وعن صحة وقوعه في وقت تتصاعد فيه احتمالات الحرب.
وصرح مسؤول كبير في الموساد لإذاعة الجيش الإسرائيلي بأن الموساد سيكون "ارتكب خطأً فادحاً" إذا تبين أنه استخدم جوازات سفر إسرائيليين خصوصاً دون موافقتهم، وأعلن نائب عن حزب "كاديما" المعارض أنه سيطالب في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالتحقيق في هذه القضية.
وهكذا بدأت كرة الثلج تتدحرج باتجاه مزيد من تعقيد علاقات إسرائيل بأصدقائها، ومزيد من كشف صورتها للعالم، وهكذا أيضاً يمكن للقضية الفلسطينية أن تربح من "العولمة". غير أننا ينبغي ألا ننسى أن هذا لم يكن ممكناً دون "الكفاءة" العربية الممثلة في شرطة دبي و"الإرادة" العربية المتمثلة في رفض السلطات المعنية في دبي أي ضغوط للتراجع عن سيرها الصارم في التحقيق فيما وقع، ولعل الرسالة النموذجية لبقية العرب تكون واضحة.
نقلا عن صحيفة الاتحاد الاماراتية
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في ذاكرة أكتوبر صور لا تُنسى؛ جندي يعبر القناة، وعلم يرتفع فوق الضفة الشرقية، وأم تتابع الأخبار وقلبها معلّق بابنها،...
لم تعد المدرسة مجرد مكان لتلقي العلوم وحفظ المعلومات واجتياز الامتحانات، بل أصبحت إحدى أهم المؤسسات القادرة على تشكيل سلوك...
حين نضع أنفسنا تحت ضوء أقوى مما يراه الآخرون خطأ صغير... يظل معنا طويلا
إن الشجاعة الفردية ليست مجرد حماسة لحظية، وإنما هي عقيدة راسخة في نفس صاحبها تدفعه دفعا إلى مواجهة الظروف القاسية...