press_center
بقلم: د. حسن حنفي*
قضية تثار كل عام، ونثيرها بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهي: هل الكتاب تجارة أم ثقافة؟ سلعة أم رسالة؟ حرفة أم قضية؟ وأيهما أولى: جشع الناشرين أم حقوق المؤلفين؟ وهل الكتاب بضاعة للتسويق والربح أم مساهمة في تطور المجتمع وتنمية قراءاته؟ وعلى رغم توافر النشر الإلكتروني، وخدمات شبكات الاتصالات، والمكتبات الرقمية، والموسوعات الإلكترونية المتحركة إلا أن الكتاب الورقي ما زال له سحره في الثقافة لأنه كان أصلاً من عناصر تقدمها منذ التحول من الشفاهي إلى التدوين. وقد أصبحنا الآن نزهو بما لدينا من الكم الهائل من المخطوطات ونأسف على ضياع بعضها. وما زالت المذكرات المدرسية والكتب الجامعية هي خير وسيلة للحفظ والاستيعاب، تناول الكتاب من على الرف واقتنائه من المكتبات القديمة أو الفرح به في طباعته الحديثة. ومهما كانت العلاقة بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي، وهي تقوم على التكامل وليس على التبادل، إلا أن الكتاب الورقي يظل أكثر جذباً بما يستطيعه القارئ من التعليق على هوامشه ونقله بلا تجهيزات وشبكات قائمة أو واقعة، موجودة في العمران أو غائبة في الصحراء. ولذلك قامت الدول الاشتراكية قديماً بدعم الكتاب وأسست لها هيئات لضمان وجوده وتوزيعه على نطاق واسع، ما زلنا نعيش عليها حتى الآن، ومنها الهيئة المصرية العامة للكتاب، واللجنة المصرية للتأليف والترجمة والنشر، والمركز القومي للترجمة. هذا بالنسبة للكتاب المحلي.
أما الكتاب الإقليمي أو الدولي فله مشاكل أخرى: صعوبة توزيعه، ارتفاع سعره، تكاليف نقله، والرسوم المرتفعة عليه، والرقابة.
ولي معه قصة تستحق أن تروى بكل تفاصيلها ومراراتها. جاءني خطاب حكومي بُني اللون صغير الحجم من هيئة البريد يفيد بأن لي طرداً بمبنى طرود البريد برمسيس، وعليّ الحضور لاستلامه، وهذا يعني النزول وسط البلد وفي رمسيس حيث لا يوجد مكان للانتظار. ومع ذلك ذهبت في الصباح الباكر تجنباً للزحام. وصعدت إلى أحد الطوابق العليا. وهو مبنى جديد نسبياً. فوجدت قاعة فسيحة كبرى، بها موظفون يميناً ويساراً وعلى بابها. وأعطيت الإخطار لأحدهم. فأخرج مظروفاً صغيراً، بحجم مجلة أو كتاب صغير مفتوح من الرقابة. وأعيد فتحه أمامي. وبه كتاب بعنوان "الإسلام" كتبه الدكتور ريتشارد مارتن من جامعة إموري بأتلانتا -جورجيا، بالولايات المتحدة الأميركية. لا يزيد على المائتي صفحة. ولي فيه فصل مع ثمانية مستشرقين آخرين. فعرفته. وطلب مني الموظف بطاقتي الشخصية. ووضعها تحت ملفاته. وطلب مني أن أتوجه إلى السيدة التي على الطرف الآخر من القاعة. عليها مهابة السن. وفتحت دفترها وأخرجت صفحة ودونت. وطلبت مني التوجه إلى السيدة الشابة الأخرى التي بجوارها. فنظرت هي أيضاً ودونت وفتحت الجداول أمامها. وقيمت الرسوم بحوالي عشرة جنيهات بعد تقدير ثمن الكتاب بحوالي عشرين دولاراً. وقبلها كانت قد طلبت استمارة من نسختين من المكتب الخارجي على المدخل وبه موظفان لملئها بسبعة جنيهات ونصف. وتردد الموظف في إرجاع الباقي لعدم وجود "الفكة". وعدت إلى الموظف الذي أخذ بطاقتي وطلبتها منه. فلماذا يحتفظ بها بعد أن انتهت مهمته. فابتسم وقال "بركة" ربما لكي أنساها وأعود مرة أخرى بعد أن أتذكرها ليأخذ الحلاوة. وبعد أن ظننت أن الأمر قد انتهى طلبوا مني الخروج من جديد إلى المكتب الخارجي فطلبوا خمسة وعشرين جنيهاً أخرى، فبدأت الاعتراض لمَ كل هذه الرسوم على كتاب صغير؟ وإلى هذا الحد كانت الخسارة المالية مقبولة وآخذ الكتاب. وأمضي وأقرأ فصول الزملاء الآخرين. ثم أخبرتني السيدة الشابة أن حظي اليوم سعيد لأن الكتاب لابد من الذهاب به إلى الرقابة في الأزهر. والمفروض أن يرسل الأزهر موظفه إلى مصلحة البريد ولكنه يتطلب أن يذهب إليه إلى مدينة نصر حيث أقيم. ولا يدرون كم من الوقت سيأخذ الإفراج، وهل هناك رسوم أخرى. وموظف خاص سيصحبني إلى هناك مع موضوعات أخرى. وفكرت كم سيكلف ذلك وديّاً؟ يكفي أن يقول لي "مبروك" أو "كل سنة وأنت طيب" أو "كان الطريق مزدحماً"، أو "تعبت اليوم"، فتصورت نفسي عائداً من جديد إلى مدينة نصر حيث أقيم ومعي الموظف الذي يحمل الطرد الثمين. ويسلمه لأحد الرقباء الذي قد يكون أحد طلبتي في مقتبل العمر، وربما يتطلب الأمر إرجاع الموظف إلى رمسيس من جديد ثم العودة إلى مدينة نصر، وبالتالي ينتهي نصف اليوم. وبصرف النظر عن رأي الأزهر بعد الفحص، نعم أم لا. أخذتني العزة بالنفس وصرخت فيهم. هل الكتاب مخدرات، مفرقعات، ممنوعات؟ وتركت كل شيء، وكل المصاريف، وقررت المغادرة. فأنا أستطيع أن أشتري الكتاب في أي زيارة لي في الخارج أو يحضره أحد الأصدقاء معه لي إلى الداخل. وقبل المغادرة قررت الصعود إلى رئيس قلم الطرود وأشكو إليه. فوجدته في اجتماع مع بعض الموظفين والموظفات يبحث مكان نقل "الدولاب" من مكتب إلى آخر. البعض يثني عليه. والبعض الآخر يرى فيه الأمل المرجو. ولما عرضت عليه الموضوع قال إن مهمته لا تتجاوز استلام طرد بيد وتسليمه لصاحبه باليد الأخرى. بل إنه اشتكى لي من موضوع آخر. صحفي أرسل له أخوه من سوريا بمناسبة عيد الفطر كيلو من الحلوى الشامية. فدفع خمسة وستين جنيهاً وثمنه لا يتجاوز الأربعين جنيهاً.
فخرجت وأنا أفكر في اللائحة التنفيذية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين التي تتطلب النشر بلغة أجنبية في مجلات إقليمية أو عالمية محكِّمة. وإن فعل الأستاذ كيف يحضر ما كتب أو يُرسل له. فكرت في قوانين البريد، قلم الطرود، من الذي وضعها؟ ولصالح من؟ وماذا سيكسب لو حصّل عدة رسوم على الكتاب وخسر الكتاب نفسه بل وخسر مؤلفه؟ لماذا تدعم الدولة الكتاب، وتؤسس مشاريع "القراءة للجميع" وسلاسل "الألف كتاب" و"كتاب في جريدة" وغيرها من السلاسل التي كانت موجودة سلفاً في "كتابك" و"اقرأ" بمبالغ زهيدة؟ لماذا لا يكون الكتاب خارج الضرائب والرسوم والأرضيات؟ ومتى تلغى الرقابة على الكتب؟ ألا تكفي رسوم البريد السريع أو مخاطر ضياع الكتاب بالبريد العادي؟ مَن يخدم مَن؟ المواطن هو الذي يخدم الدولة أم الدولة هي التي تخدم المواطن؟ وهل كل طرد به مخدرات أو مفرقعات أو إباحيات؟
وبينما أنا عائد في الطريق قلت أروّح عن نفسي وأسمع "راديو" العربة فسمعت أغنية "خليها على الله... مشيها ويالله"، وبعدها أرسلت لي هيئة البريد خطاباً بنياً مرة أخرى لإخطاري بوجود طرد، وأنه سيُهمل إن لم أستلمه. ولم أرد، ولم أذهب. فقد تم إهماله في الذهن وفي القلب، وأنا من مؤلفيه.
* نقلا عن جريدة الاتحاد الاماراتية
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
إن الشجاعة الفردية ليست مجرد حماسة لحظية، وإنما هي عقيدة راسخة في نفس صاحبها تدفعه دفعا إلى مواجهة الظروف القاسية...
من الذكريات العظيمة التي حفرت في أذهان المصريين حرب أكتوبر المجيدة، والتي تُعَدُّ صفحةً من صفحات التاريخ المشرق للدولة المصرية؛...
عندما نسمع اسم "كنعان"، قد تتبادر إلى الذهن صورة أرض واحدة وشعب واحد ودولة ذات حدود واضحة، لكن الآثار والنصوص...
ثمة أشياء تبدو حاسمة فقط لأننا اعتدنا أن ننظر إليها بالطريقة نفسها. الجدار جدارٌ ما دمنا نراه ارتفاعًا يحجب ما...